تحليل: الدروز والمسلمين في إسرائيل على صفيح ساخن

آخر تحديث : الثلاثاء 18 يوليو 2017 - 8:16 مساءً
تحليل: الدروز والمسلمين في إسرائيل على صفيح ساخن

رام الله-صدى الإعلام-18-07-2017-تداعيات “عملية الأقصى”، والتي قتل خلالها شرطيين من المواطنين الدروز في اسرائيل، بأيدي ثلاثة شبان عرب من سكان مدينة أم الفحم في اسرائيل، السياسية والدبلوماسية والاجتماعية لا تزال لم تكشف بعد.

الأقصى الذي يعتبر أحد أكثر المواقع حساسية على وجه البسيطة، شهد صباح يوم الجمعة الماضي، العملية التي نفذها الشبان الثلاثة الفحماويين الذين يقول البعض إنهم كانوا متطرفين إسلاميا، بينما ينفي ذويهم ذلك، أدت الى نقاش حاد ومستعر داخل المجتمع العربي في إسرائيل، بينما شعر البعض بنزعة طائفية وأن مقتل شرطيين درزيين بأيدي مسلمين من أفراد المجتمع ذاته، لهو أمر مرفوض، حاولت القيادة السياسية لدى عربيي الداخل تهدئة الوضع داعية الى ضبط النفس.تنذر هذه الأحداث بوقوع شرخ خطر بين الأقلية المسلمة الكبيرة في اسرائيل والتي يصل عددها الى نحو 1,3 مليون نسمة، وبين الأقلية الدرزية التي يصل عددها الى نحو 139 ألف مواطن درزي. وبضمن المجتمع العربي في إسرائيل شهد في الماضي العديد من الخلافات والنزاعات الطائفية وبعضها كان دمويا. هذه النزاعات ذات النزعة الطائفية التي شهدها المجتمع من شتى مركبات وفئات الأقلية العربية في اسرائيل، لا تزال تلقي بظلالها على المجتمع المحل الى يومنا هذا.ولتزيد الامور تعقيدا، فإن الشرخ الحالي يحمل في طياته مفاهيم أخرى اذ أنه ينطوي ضمن الصراع الإسرائيلي الفلسطيني، وقد أعاد فتح موضوع النقاش حول موقف المواطنين العرب الدروز في اسرائيل، خصوصا أن شبابهم ملزمون بأداء الخدمة العسكرية الإجبارية في الجيش الإسرائيلي، أمر ترفضه معظم فئات المجتمع العربي في اسرائيل.هذا الأسبوع تم إطلاق النار على مسجد في قرية المغار بالشمال، والتي يقطنها أكثرية درزية مع أقلية من المسلمين والمسيحيين. وقرية المغار هي موطن أحد ضحايا العملية في الأقصى، الشرطي النقيب هائل ستاوي (30 عاما). وتعرض مسجد آخر في القرية لإلقاء قنبلة يدوية، وقد تكون هذه مجرد بداية لموجة جديدة من أعمال العنف الطائفية على خلفية عنصرية بين المجتمعين.

في العام 2005 شهدت قرية المغار ذاتها عمليات عنف وشغب وتدمير مملتكات من سيارات وتهشيم واجهات المحلات التجارية التابعة للمواطنين المسيحيين في القرية عقب خلاف اندلع اثر اتهام أحد الشبان المسيحيين بنشر صور غير محتشمة لفتيات درزيات من القرية.

حينها شبّه بعض المسيحيين الأحداث في هذه القرية بنوع “ليل الكريستال” الذي نفذه النازيون ضد اليهود في ألمانيا النازية عام 1938. عبّر رجال شرطة يهود الذين أرسلوا للسيطرة على الوضع عام 2005 بقرية المغار عن مخاوفهم “اذا كان هذا ما يفعلونه ببعضهم البعض تخيّلوا ما سيفعلوه بنا”. حينها كانت مرد اشاعات عن نشر صور لفتيات درزيات عاريات، لكن اليوم لدينا قتل شرطيين من أفضل شباب المجتمع الدرزي، كما يقولون. والسؤال المطروح هو هل هذه التراجيديا قد تؤدي الى اندلاع أعمال عنف جديدة في ظل الاحتقان، أم سينجح الأطراف بضبط النفس؟

حتى الآن يحاول الأطراف شتى ضبط النفس وربما يشبه الوضع بالسير على حبل رفيع، فالكثير على المحك والضغط شديد، والبديل هو حرفيا “لعب بالنار” – وهو واقع يعيه الطرفان جيدا.رغم أن الدروز يعرّفون أنفسهم كعرب، الا أن علماء الاجتماع الإسرائيليين يذكرون الذروز في اسرائيل بشكل منفرد عن المجتمع العربي بسبب الاختلافات التاريخية. ورغم أن الديانة الدرزية تطورت من مجموعة من المسلمين الذين انشقوا، ولكن من ناحية مبادئ ومعتقدات فهناك اختلاف كبير بين الدروز والمسلمين. وبعكس الدروز في الجولان الذين يعتبرون سوريين ويرفضون محاولات التجنيس الإسرائيلية، فإن الدروز في الكرمل وجبال الجليل يعتبرون إسرائيليين ويخدمون بالجيش الإسرائيلي، ويعتبرون جزء من النسيج الإجتماعي الإسرائيلي، بل وأن قادة دولة اسرائيل شددوا أكثر من مرة على “حلف الدم” بين اليهود والدروز.ومن الجانب الآخر، يخرج الصوت من لبنان، اذ غرّد اليوم الزعيم الدرزي “للحزب الديمقراطي الاشتراكي” في لبنان، وليد جنبلاط، معتبرا أنه يتوجب على الدروز رفض التجنيد الإجباري في صفوف الجيش. حيث كتب جنبلاط “التحية للمجاهدين الابطال الذين قتلوا جنود الاحتلال الاسرائيلي في القدس ولا للمس بكرامات المصلين وتفتيشهم واذلالهم”، وتابع في تغريدة اضافية “وفي هذا السياق اشجب كل دعوات التحريض المذهبي وادعو المعروفيين الاحرار رفض تجنيد الدروز في الجيش الاسرائيلي”.

من جانبه يقول محمد رامل – أحد القادة الدروز أنه “نحن لا نملك حجارة مقدسة” في إشارة الى الحرم القدسي الشريف، والذي يعتبر حائطه الغربي (حائط البراق/ حائط المبكى) مقدسا أيضا لليهود وليس فقط للمسلمين. وفي حديثه لـi24news يحاول رامل أن يلقي باللائمة على محاولات تأثير خارجية لدب النزاع الطائفي. “أعتقد أن منفذي العلمية المسلمين كانوا تحت تأثير تنظيم الدولة الاسلامية، وليس الحركة الاسلامية في إسرائيل”. ويضيف “لا أتوقع أن يتكرر سيناريو أحداث المغار. في واقع الامر، بدل ذلك أعتقد أن نسبة كبيرة من المسلمين جاؤوا لتقديم واجب العزاء للقتلى الدروز. كون الإرهابيين مسلمين غير مهم. الأمر المهم هو الحقيقة أنهم كانوا اسرائيليين”.ليس رامل الوحيد الذي يلوم جهات مبسطة خارج حدود الدولة. الدولة الاسلامية ليست اسرائيل، بينما أعضاء في الحركة الاسلامية في اسرائيل موجودون هنا بشكل فعلي على مقربة وجيرة.ليس كافة الدروز مصالحون الى هذا الحد “أعتقد أنه هناك العديد من المسؤولين لهذه العملية الارهابية، وأعتقد أنه هناك دخلاء من قلب الأقصى كانوا على ارتباط بالعملية”، يقول محامٍ درزي شاب فضل عدم الكشف عن هويته. بين السطور يقوم بانتقاد القرار بنشر جنود دروز في هذه المواقع الحساسة كالحرم القدسي.شخصية مؤثرة أيضا في صفوف المجتمع الدرزي، تنوّه الى أن 4 ضباط دروز قتلوا خلال اداء عملهم في القدس خلال السنتين الماضيتين “رغم أنهم يشكلون 1,4% من المجتمع الاسرائيلي”. ويقصد من ذلك أن الدروز يدفون ثمنا غير متوازن ومرتفع جدا لقاء ما هو في لبه صراع يهودي – إسلامي. من الجانب الىخر للطيف، العديد من الدروز (وبينهم والد أحد الضباط القتلى – عضو الكنيست سابقا عن حزب العمل، شكيب شنان) يفخرون بشدة بالدور الذي يلعبه الدروز في حماية والحفاظ على أمن الدولة.كلا النهجين يعكسان الشرخ بين المجتمع الدرزي والمسلم في اسرائيل. أحد الاختلافات الأساسية هو الخدمة العسكرية الإجبارية للدروز، بينما المسلمون معفيون من الخدمة العسكرية. على مر العقود، توقع الدروز أن يحصلوا على نوع من رد الجميل من الدولة لولائهم والثمن الذي دفعوه لهذا الولاء.

طوال عقود، ادعى المجتمع الدرزي أن أفراده يعاملون بعدم احترام ويعانون التهميش والاهمال من السلطات الإسرائيلية، الى جانب إقصاءهم من المجتمع اعربي المسلم الذي يسخر من عدم حصولهم على أي ردود لقاء خدمتهم للدولة. من بين التوجهات الأخرى في الخفاء هناك المنافسة لأجل المصلحة من السلطات. حتى الآن، في قلب هذا الأسى الشديد، يطرح الدروز فكرة أنهم لا يريدون “حلف الدم” مع دولة اسرائيل، بل “حلف الحياة” والذي سيؤدي الى تحسين ظروفهم المعيشية وسيرفع من مكانتهم بين الأقليات الأخرى.حتى في هذه الأجواء التي تشهد اضطراب شديد، فإن الغضب الدرزي وسخط المواطنين الدروز موجه تحديدا الى الرد الفاتر من القيادات العربية المسلمة في اسرائيل. بعض المشرعين العرب أصدروا بيانا يشجبون فيه استخدام العنف، ولكنهم وجهوا اصبع اللوم نحو “السياسية الإسرائيلية واستمرار الاحتلال”.من جانبها حذّرت لجنة المتابعة العليا للجماهير العربية في إسرائيل، وهي المظلة السياسية الجامعة لممثلي كافة الأحزاء والفعاليات والتكتلات للمواطنين العرب في اسرائيل من تداعيات “عملية الأقصى” صباح الجمعة، مؤكدة أن “جماهيرنا العربية تناضل منذ 69 عاما، بمسارات كفاحية جماهيرية شعبية، والخروج عنها لا يخدم مسيرتنا”. كما دعت اللجنة الجماهير العربية “لليقظة من محاولات الفتنة التي ستغذيها الحكومة حتما”.

يتوقع المجتمع الدرزي استنكارا شاملا وفصيحا لعملية قتل أبناءهم الضباط، من جانب القيادة المنتخبة للجماهير العربية في اسرائيل، ولكن حتى الآن لم يصدر استنكار كهذا. من جانبه يؤكد رئيس بلدية دالية الكرمل (اكبر بلدة درزية في اسرائيل) رفيق حلبي، ان “القيادات العربية مجموعة من الجبناء. اخرجوا من جحوركم وارفعوا صوتكم بوضوح”، مطالب باستنكار واضح للعملية. في الآن ذاته يدعو المجتمع الدرزي الى عدم التعميم وعدم اعتبار كافة المسلمين أعداء.من مثله، ضابط سابق في الجيش الإسرائيلي، ورئيس تحرير قسم الاخبار في سلطة البث الاسرائيلية سابقا، يستطيع أن يفهم ان كل الاطراف يحملون مواد متفجرة ولا بد من التعامل معها بمسؤولية وحذر شديدين.ليلي غاليلي: محللة في شؤون المجتمع الإسرائيلي وخبيرة في مجال الهجرة من الاتحاد السوفياتي السابق، مؤلفة كتاب “المليون الذي غيّر الشرق الأوسط”.

المصدر - i24news
2017-07-18 2017-07-18
deya