قصة مصر في مواجهة الإرهاب، والمعركة الفاصلة في سيناء

آخر تحديث : الأربعاء 6 ديسمبر 2017 - 7:24 مساءً
قصة مصر في مواجهة الإرهاب، والمعركة الفاصلة في سيناء

رام الله – صدى الاعلام – 6-12-2017

هو قدر مصر، أن تكون رأس الحربة في مواجهة التطرف والإرهاب، وأن تخوض معه المعركة تلو الأخرى، وما إن تحقق نصراً عليه إلا ويطل برأسه من جديد، فمنذ بداية السبعينيات من القرن الماضي ومصر تواجه موجات متتالية من الإرهاب تفصل بينها فترات زمنية متباعدة، تتغير فيها وجوه وأسماء وأماكن وحواضن الجماعات الإرهابية، في حين تبقى مرجعياتها الفكرية ومعينها البشري وإستراتيجيتها القتالية وأهدافها الخبيثة ثابتة لا تتغير، فما زال كتاب “معالم في الطريق” الذي كتبه سيد قطب الزعيم الإخواني دستوراً لها، تسير على هدى فتاويه وأفكاره الكريهة الغارقة في التطرف والتكفير، ومن عباءة الإخوان وأفكارها وتيمناً بجهازها السري، تشكلت أنوية الجماعات الإرهابية (التكفير والهجرة، والجماعة الإسلامية، وجماعة الجهاد) والتي وضعت الدولة المصرية بمؤسساتها المدنية والعسكرية والأمنية أهدافاً ثابتة لها طوال ثلاثة عقود من القرن الفائت (السبعينيات والثمانينيات والتسعينيات) لم تراع فيها لا دين ولا عرق ولا لون ولا طائفة ولا فرقة فالجميع أمام إرهابها سواء. وقد نجحت الدولة المصرية بعد أكثر من عقدين ونصف من المواجهة في تفكيك بنية تلك الجماعات التنظيمية والعسكرية، والقضاء على المقومات التي تسمح لها باستمرار نشاطها وفعلها الإرهابي، والأهم إضعاف قدرتها على إعادة إنتاج نفسها، وبالتالي السيطرة على نشاطها وفعلها حتى بات بحدوده الدنيا في مرحلة ما قبل الثورة مطلع العام 2011.

التحول المهم الذي طرأ على الجماعات الإرهابية بعد تلك الفترة سواء من حيث إعادة تموضعها، أو إعادة إنتاج نفسها وفعلها الإرهابي في مرحلة ما قبل الثورة، تمثل في انتقال ثقلها منذ العام 2003 إلى شبه جزيرة سيناء، التي وجدت فيها تلك الجماعات تربة خصبة لزرع بذور التطرف والإرهاب، من حيث أوضاعها الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والأمنية، فظهرت تنظيمات إرهابية كانت لا زالت في طورها التكويني الأول، أبرزها تنظيم التوحيد والجهاد المسؤول عن تنفيذ تفجيرات طابا وشرم الشيخ في الأعوام 2004 و 2006 على التوالي، وقد نجحت القوى الأمنية آنذاك في تقويض التنظيم والقضاء عليه.

بعد ثورة يناير 2011  تغيرت معادلة الإرهاب في مصر، فما قبلها كانت مجرد تنظيمات محلية أنتجتها ظروف ومناخات وحواضن محلية وامتدادات خارجية في أدنى مستوى لها، وكانت الدولة المصرية متماسكة وقوية لا تعاني من أي اهتزازات أو اضطرابات من أي نوع تعيق أو تعرقل مساعيها في محاربة الإرهاب، مرحلة كانت فيها المعادلات الدولية والإقليمية تقترب من مصر بمحاذير عالية وخطوات مدروسة ومتأنية، مرحلة كانت فيها جماعة الإخوان تحسب خطواتها بدقة متناهية خشية إغضاب الدولة، تجس النبض وتتراجع، تتقدم خطوة وتنكفئ على نفسها خطوات، بيد أن هذه المعادلات اختلفت وتغيرت بعد يناير 2011، فأصبحت جماعة الإخوان وهي الحاضنة الرئيسية للإرهاب وجماعاته تحكم مصر، ودخلت في تفاهمات مع الجماعات الإرهابية، وتواطأت مع قوى دولية وإقليمية رأت هي الأخرى في الإخوان فرصة لا تعوض لتمرير طموحاتها ومشاريعها في المنطقة، وخلال سنة من حكم الإخوان استشرى الإرهاب وانتشرت خلاياه، وقويت شوكته، واهتزت مؤسسات الدولة وارتبك أداؤها، وتراجع اقتصادها وفقدت بعض من أمنها وأمانها بفعل فاعل، ودُمرت ليبيا، واستأسدت أثيوبيا، وتراخت السودان، وغدرت حماس، وانفرجت أسارير إيران، ورقصت إسرائيل طرباً، وصفقت إدارة أوباما، وتأهبت تركيا وقطر لدور قادم على أنقاض مصر، وفي التفاصيل الكثير الكثير من صور التآمر والخذلان، ولان مصر عصية على الانكسار انتفضت في وجه قوى الشر، وأعاد جيشها البوصلة إلى حيث يجب أن تكون، وكسر المؤامرة التي لم تكن تستهدف مصر وحسب وإنما المنطقة العربية بكاملها بعد انتصار الشعب والجيش في دحر الإخوان عن حكم مصر وضرب مشروعهم الإخواني الكبير في الصميم.

نعم، فشلت المؤامرة على مصر ولكن، لم يتوقف التآمر ولم يتوقف الطامحين من دول الإقليم وغيرهم عن محاولات بعث الحياة من جديد في مشروع الإخوان، فكان الإرهاب هو الأداة المُجربة في سوريا والعراق وليبيا والأكثر فعالية في ضرب استقرار مصر وأمنها وإدخالها في حالة من الفوضى، فسقطت ورقة التوت التي كانت تستر إرهاب الإخوان، بعد أن أعلنوا الحرب على الدولة المصرية في تحالف شيطاني مع الجماعات الإرهابية، فقتلوا واغتالوا ونفذوا المجازر بحق الشرطة والجيش، واستهدفوا الأقباط والكنائس، وحاولوا فصل سيناء كإمارة لهم وملاذ آمن ونقطة ارتكاز في خاصرة مصر، وكانت النتيجة الفشل.

بالتدريج نجحت الدولة المصرية في احتواء موجة الإرهاب العاتية، وبدأت تستعيد عافيتها ودورها الإقليمي والدولي، بالتزامن مع تغيرات دولية وإقليمية فرضت معادلات جديدة في السياسة الدولية كانت في معظمها لصالح مصر، وكانت أهم نتائجها انحسار وخسارة الجماعات الإرهابية في سوريا وليبيا والعراق، والتغير الذي بدأ يطرأ على مواقف العديد من الدول الأوروبية اتجاه جماعة الإخوان. إلا أن خطر الإرهاب لم يتوقف، فامتدت اذرع الدولة المصرية لتجفيف منابعه ومحاصرته في أكثر من بقعة فضربت معاقلهم في ليبيا، ووجهت ضربات قوية لخطوط الإمداد القادمة من وراء الحدود، وفرضت معادلات جديدة على حدودها الشرقية، فتراجعت قدرة الجماعات الإرهابية على تنفيذ العمليات في عمق المدن الرئيسية، وانتقلت إلى الأطراف في سيناء والواحات، وفي فترات زمنية متباعدة قياساً بالأعوام السابقة تحديداً في 2014، 2015.

العمليتين الإرهابيتين اللتان حدثتا مؤخراً، في منطقة الواحات على حدود القاهرة والتي تحمل بصمات القاعدة والإخوان، ومجزرة مسجد الروضة في سيناء والتي تحمل بصمات داعش (تقاسم وظيفي بين اذرع الإرهاب)، لا يمكن فهمها في سياق عمل إرهابي محض نفذته مجموعات إرهابية انسجاماً مع أفكارها المتطرفة ، وإنما بوصفهما استكمال لفصول المؤامرة على مصر، للقول أن مصر غير آمنة، وان الإرهاب ما زال حاضراً وفاعلاً، وأن الجيش المصري ضعيف أمام الإرهاب، وان الدولة المصرية فاشلة، هكذا أرادوا … ولكن، خاب ظنهم، فالأولى تم تصفية المجموعة التي كان من المفترض أن تستكمل نشاطها الإرهابي في القاهرة وضواحيها، وإن بقى رأس المجموعة “هشام عشماوي” حراً طليقاً “مايسترو الإرهاب بين القاعدة والإخوان والدول الراعية”،  الأمر الذي ينذر بأن الأمر لم ينتهي بعد، أما الإرهاب في سيناء فقد بات هزيمته واجتثاثه قاب قوسين أو ادني، فكل مقومات النصر باتت متوفرة بعد أن غضبت الدولة المصرية وقررت خوض المعركة الفاصلة مع الإرهاب دون هوادة، والتفت القبائل مجتمعة حولها، بعد أن استقوى العنصر الأجنبي على أبنائها وشيوخها ومساجدها وحرماتها.

كلمة القول الفصل في موضوع الإرهاب ليس في مصر وحسب وإنما في المنطقة ستكون للجيش المصري ومعه المؤسسة الأمنية بكل اذرعها، فسيناء ستكون المعركة الفاصلة والحاسمة في الحرب على الجماعات الإرهابية ومموليها وداعميها، كونها هي الملاذ الأخير جغرافياً للجماعات الإرهابية في المنطقة، بعد أن فقدت مواقعها في أماكن أخرى نتيجة تغير المعادلات السياسية والتطورات الميدانية على الأرض، والتحول نحو سيناء ليس عبثاً فقد تم بفعل فاعل وبقصد وتخطيط مسبق من قوى لا تريد بمصر خيراً، فمصر القوية المعافاة ستحول دون تحقيق طموحاتهم ومشاريعهم بأي نفوذ أو دور لهم في المنطقة بدءًا بإسرائيل ومروراً بإيران وتركيا وانتهاء بقطر. وبقي أن نقول: كما أوقفت مصر زحف المغول قبل مئات السنين، وكما اخترق جنود مصر خط بارليف المنيع قبل عشرات السنين، وكما انتصرت الدولة المصرية على موجات الإرهاب المتتالية، وكما أنقذ جيش مصر المنطقة من مشروع الإخوان التدميري، فان مصر الدولة والجيش والشعب ستنتصر في المعركة الفاصلة مع الإرهاب وجماعاته في سيناء وفي كل ربوع مصر.

رابط مختصر
2017-12-06 2017-12-06
002