“حمصة الفوقا” ترتدي ثوب النكبة

4 نوفمبر 2020آخر تحديث : منذ 4 أسابيع
“حمصة الفوقا” ترتدي ثوب النكبة

صدى الاعلام – الاغوار

بقلم – الحارث الحصني

كانت حياة الناس في خربة “حمصة الفوقا” بالأغوار الشمالية، تسير بشكل طبيعي ومعتاد، على الأقل حتى ظهيرة يوم أمس الثلاثاء، لكن الأمور تغيرت عندما سوّت جرافات الاحتلال الإسرائيلي عشرات المنشآت التي تملكها عائلات فلسطينية في المنطقة.

في البداية لم تكن معالم الخسائر واضحة، لما حدث في الخربة، فخلال الساعات التي امتدت ما بين الظهيرة، حتى ساعات الليل، كانت الأخبار الأولية تؤكد حدوث عمليات هدم “غير مسبوقة” في المنطقة.

تبين فيما بعد، وبحسب توثيق هيئة مقاومة الجدار والاستيطان، أن الاحتلال هدم ما يقارب 70 منشأة، ما بين سكنية، وبركسات، وحظائر أغنام، وخلايا شمسية، لإحدى عشرة عائلة فلسطينية تضم 60 مواطنا، يسكنون المنطقة.

كان ذلك بعد أن استولى الاحتلال على جرارات زراعية، وصهاريج مياه، ومركبات لمواطنين في خربة ابزيق بالأغوار الشمالية.

وهذه واحدة من المرات النادرة التي يهدم الاحتلال فيها تجمعا سكانيا كاملا في الأغوار الشمالية مرة واحدة.

وقال الناشط الحقوقي عارف دراغمة: “هذه نكبة جديدة لشعبنا في حمصة الفوقا”، التي  تعد واحدة من التجمعات الفلسطينية التي تسكن خياما في أراضي سهل البقيعة الكبير، وتعتمد في حياتها على تربية الماشية، وتستفيد من الأراضي المفتوحة للسهل في توفير الغذاء المجاني لمواشيها.

وبدا المواطن نظام أبو كباش منهمكا في إصلاح بعض الدمار الذي لحق بممتلكاته “دمروا كل شيء لنا، الآن لا طعم لحياتنا، الموسم انتهى، وكل شيء أصبح في الطبيعة دون غطاء له”.

وفي مكان قريب من بقايا لتجمع فلسطيني كان قائما بالأمس، يدور حديث بين لفيف من المواطنين عن هول ما حدث.

يقول أنس عواودة، وهو أحد المتضررين من عمليات الهدم: “لم أرَ مثل هذا الأمر طيلة عشر سنوات قضيتها بشكل دائم في المكان”.

“سويهم بالأرض”. هذا ما سمعه أنس من ضابط في سلطات الاحتلال، يقوله لسائق الجرافة.

لكن الأمر لم يخلُ خلال تلك السنين من إخطارات بالإخلاء، والطرد بحجج التدريبات العسكرية.

رئيس هيئة مقاومة الجدار والاستيطان وليد عساف أكد لـ”وفا”، أن ما حدث هو سياسة الأرض المحروقة، وأن الاحتلال يسلك سياسة الهدم الكلي للتجمعات الفلسطينية؛ بهدف إفراغها”.

وقد أمكن مشاهدة كل خيام الفلسطينيين مسواة في الأرض، يستثنى من ذلك خياما قدمتها، الليلة الماضية، مؤسسات حقوقية، والصليب الأحمر للعائلات المنكوبة.

لكن أبو كباش قال إن الخيام لم تتسع للجميع، وأن منهم من بات ليلته في مركبته الخاصة.

يكرر ذلك عواودة، الذي أكد لمراسل “وفا” انه اضطر لإرسال أطفاله وزوجته لأقرباء له في مكان بعيد” مشيرا إلى انه لم تكن هناك مؤشرات للهدم، لقد أتوا لنا على غفلة وقت الظهيرة”.

يقول: “اختاروا وقتا يسبق قدوم المطر، نحن نعيش هنا في حياة صعبة، والليلة قضينا واحدة من أسوأ ليالينا”.

في الواقع، كانت السماء ملبدة بالغيوم، وتساقط بعض المطر على رؤوس المواطنين وهم يعملون على استصلاح الدمار.

المواطن عبد الغني عواودة (52 عاما) قال: “لم يمر علي مثل هذا، ست جرافات، وأكثر من مئتي جندي اقتحموا المكان ودمروه، لم يتركوا شيئا”.

يقول مركز المعلومات الإسرائيلي لحقوق الإنسان في الأراضي المحتلة “بتسيلم”، إنه منذ عشرات السنين تطبّق سلطات الاحتلال سياسة هدفها تهجير هذه التجمّعات عبر خلق واقع معيشي يصعب تحمله، ودفع المواطنين إلى الرحيل عن منازلهم “وكأنه بمحض إرادتهم”.

في وقت الظهيرة، كان يسود صمت في تجمع عائلة عواودة، باستثناء صوت رصاص التدريبات التي يجريها الاحتلال، حينها قال عبد الغني: “هذا هدوء النكبة التي حلت بنا”.

حاليا، لا يلاحظ في التجمعات الفلسطينية التي هدمها الاحتلال، غير دمار متناثر في المكان، ويمكن مشاهدة المواطنين في ذهول تام وهم يسابقون الوقت لاستصلاح ما تم تدميره.

في الأرقام الواردة على الموقع الالكتروني لــ “بتسيلم”، هنالك ما يقارب 2,700 شخص يسكنون في نحو عشرين تجمّع رعوي في الأغوار، في أراضٍ أو على أطراف أراضٍ أعلنها الجيش مناطقَ إطلاق نار.  وتسعى سلطات الاحتلال بوسائل مختلفة إلى منع المواطنين من مواصلة السّكن في المنطقة، ومن ضمن تلك الوسائل هدم منازلهم مرارًا وتكرارا.

قبل شهرين، بدأ أنس، بترميم خيامه، استعداد لاستقبال فصل الشتاء، وبعدما أنهى ذلك، دمر الاحتلال كل تجمعه السكني. وبالنسبة له فإن حياته الآن في دائرة المستقبل المجهول.

كان المطر على فترات وقت الظهيرة، لكن عبد الغني، وهو رجل طويل القامة ملتحٍ، ويرتدي قبعة صغيرة على رأسه، لم يبرح منشآته، وقال: “لم يعد لنا شيء يؤوينا من المطر”.

يقول تقرير أعده مركز أبحاث الأرض، أن الاحتلال هدم، عام 2019 في محافظة طوباس والأغوار الشمالية، 19 مسكنا فلسطينيا.

رابط مختصر