“الجنائية الدولية”.. هل أصبح زمن ملاحقة مجرمي الاحتلال متاحاً؟

الشأن المحليرئيسي
17 فبراير 2021آخر تحديث : منذ 4 أشهر
“الجنائية الدولية”.. هل أصبح زمن ملاحقة مجرمي الاحتلال متاحاً؟

صدى الاعلام- القدس- منذ أعلنت المحكمة الجنائية الدولية في الخامس من الشهر الجاري قرارها القاضي بأن المحكمة، ومقرها لاهاي، لها ولاية قضائية على جرائم حرب أو فظائع ارتكبت في الأراضي الفلسطينية، فإن ذلك يفتح المجال أمام تحقيق محتمل بجرائم الاحتلال.

هذا القرار الدولي، قد يفتح عهدًا جديدًا من محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين، لكن هل تصطدم إمكانية الملاحقة بعقبات من شأنها إطالة محاكمة أولئك المجرمين، أو أن يكون للقرار أثر سلبي بأن يحاكم الفلسطينيون كذلك حول قضايا تشير المحكمة إلى أنها “جرائم”؟

في هذا التقرير تستعرض “القدس”، آراء خبراء القانون ووزارة الخارجية والمغتربين حول أهمية القرار، وأبرز العقبات التي تواجهه.

 

حجازي: ننتظر استكمال التحقيقات في الفترة المقبلة

ومن الواضح أن قرار المحكمة الجنائية الدولية يؤسس لمرحلة قادمة مهمة تأذن بإنهاء غياب المساءلة والإفلات من العقاب، ويؤسس لمرحلة مقبلة تكون فيها مساءلة مجرمي الحرب بحق أبناء الشعب الفلسطيني أمرًا واقعًا، وتردع أي جرائم من الممكن أن ترتكب بالمستقبل، وفق ما يؤكده لـ”القدس” مساعد وزير الخارجية والمغتربين السفير عمار حجازي.

ويشدد حجازي على أن القرار ليس فتوى كما يظن البعض، فالمحكمة تريد استيضاحاً من الدائرة التمهيدية لها بخصوص الولاية الإقليمية في إطار الأرض الفلسطينية المحتلة، وحددت معالم المنطقة الجغرافية التي يمكن أن تدخل في اختصاصها، وعندما أصدرت المحكمة القرار ستباشر المدعية العامة للمحكمة فاتو بنسودا بفتح التحقيقات بعد أن وصلت لقناعة بوجود جرائم ارتكبت على أرض فلسطين، والأساس مساءلة مجرمي الحرب عن جرائمهم، والعمل على الوصول إلى من هو المسؤول عن الجريمة لمساءلته.

ووفق حجازي، فإن مذكرات الإحضار أو الجلب لها معنى قانونيا، إذ إنه يجب على كل الدول الأعضاء في المحكمة أن تحضر للعدالة كل من هو مطلوب دولياً.

وحول المدة المحددة لمقاضاة مجرمي الحرب، يؤكد حجازي أن إجراءات المحكمة كإجراءات المحاكم العادية، وأي مسار قضائي قد يأخذ وقتًا، “لكننا ندعو دائمًا إلى الإسراع وقيام المحكمة بمهامها، خاصة أنه في الحالة الفلسطينية فإن الجرائم مستمرة والإسراع بالتحقيقق ومحاكمة المجرمين سيساهم بوقف هذه الجرائم”.

ويأتي القرار، كما يؤكد حجازي، بعد وصول المدعية العامة للمحكمة الجنائية الدولية فاتو بنسودا إلى استنجاجات قامت بها بدرجة ما من التحقيق، لكن القرار يتطلب أن تقوم المدعية العامة بالإعلان عن هذه الخطوة وبالبدء باستئناف التحقيق بما يشمل مذكرات الحضور ومذكرات الاستدعاء، مضيفاً:”نحن لا نعرف أي الملفات ستأخذها المدعية العامة لكن القضايا تحددها المدعية نفسها”.

ويقول حجازي: “نحن زودنا المدعية العامة بكل الملفات التي تشمل كل الجرائم التي ارتكبت على أرض فلسطين بما يشمل منظومة الاستعمار والاعتقال التعسفي والمحاكمات غير القانونية والحرب على قطاع غزة وحصاره وقتل المتظاهرين والأطفال واستهدافهم، ربما تختار المدعية العامة قضية واحدة مدللة أو عدة قضايا ترتكب، لا نعرف ما ستختاره لكننا سنتعاون بتزويدها بالمعلومات”.

وقد ينظر البعض بسلبية لقرار المحكمة خاصة قضايا من الممكن أن تفتح الجنائية الدولية تحقيقًا بها بما يتعلق بالشأن الداخلي الفلسطيني، لكن السفير عمار حجازي يؤكد أن المحكمة تتناول بعض الأشياء التي حدثت في قطاع غزة وهما أمران؛ الأول الاستهداف بالصواريخ للأحياء المدنية والمدنيين، وقتل فلسطينين من غير محاكمات بالشوارع حينما فروا من السجون عام 2014 وتمت مطاردتهم وقتلهم ميدانيًا، حيث تعتبر المحكمة أن ما جرى إعداما خارج إطار القانون.

ويؤكد حجازي: “سنتعاون مع المحكمة بهذا الشأن، وندعو الكل الوطني الفلسطيني، خاصة مع وجود إجماع وطني، إلى التعاون، ونعتقد أنه لا إدانة للطرف الفلسطيني، وهذه مسائل ثانوية لا تمارس بشكل دائم، ويمكن دحضها، ولكن واجبنا كدولة طرف أن نتعاون مع المحكمة”.

 

هل يؤثر انتخاب مدعٍ جديد للجنائية على فتح التحقيق بجرائم الاحتلال؟

في الثاني عشر من الشهر الجاري، انتخب المدعي العام الجديد للمحكمة الجنائية الدولية في لاهاي، كريم خان، بدلًا من فاتو بنسودا، وسيستمر بعمله لمدة 9 سنوات، وأثيرت شائعات حول إمكانية إغلاقه للتحقيق بجرائم الاحتلال، لكن السفير عمار حجازي يؤكد أن خان سيأخذ عن بنسودا هذه الملفات وانتخاب مدع عام جديد لا يؤثر على قرار المحكمة بما يتعلق بالولاية القضائية، فيما يشدد على أن إسرائيل تسوق إشاعات أنها وراء انتخاب المدعي العام الجديد، لكن ذلك غير صحيح.

ويوضح حجازي أن خان سيتولى في الصيف المقبل مهامه لمدة 9 سنوات خلفًا لبنسودا، وهو سيتولى التعامل مع الملفات التي ورثها ممن سبقه، “نحن نتعامل مع مؤسسة وليس شخصًا، وكل مدعي عام ينتخب كل 9 سنوات غير قابلة للتجديد، ومطلوب من كل مدعي عام أن يستمد صلاحياته من الميثاق المعمول به بالمحكمة”، مشيرًا إلى أنه من المفترض وخلال الفترة المقبلة أن تباشر المدعية العامة للمحكمة بنسودا ، استكمال التحقيق بجرائم الاحتلال.

 

مذكرة حقوقية كانت أساسًا لقرار الولاية القضائية

مطلع العام الماضي، كلفت نقابة المحامين الفلسطينيين الخبير في القاون الدولي المحامي د.معتز قفيشة بالمتابعة مع الجنائية الدولية حينما طلبت ممن يرغب تقديم مرافعة للمحكمة بما يتعلق بصلاحية المحكمة والولاية لها على فلسطين.

ويقول قفيشة لـ”القدس”: “لقد أعددت مذكرة قدمت للمحكمة مكونة من 30 صفحة باللغة الإنجليزية و36 صفحة بعد ترجمتها إلى اللغة العربية، وسلمت للمحكمة في 15 آذار 2020، حيث ركزت في المذكرة على الإقليم الفلسطيني حول ما هي فلسطين متمثلة بالضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية وقطاع غزة”.

ويوضح قفيشة: “عدتُ إلى مجموعة من القوانين والاتفاقات الدولية التي تحدد الحدود وفق اتفاقيات الهدنة التي تم فيها رسم الحدود من أجل وقف إطلاق النار، ثم بينت للمحكمة كيف تحول الخط الأخضر من خط عسكري إلى قانوني وبناء عليه حكمت المحكمة”.

المدعية العامة للجنائية الدولية، وفق قفيشة، استقبلت المذكرة المقدمة لها من نقابة المحامين من ضمن 42 مذكرة تم تقديمها بالخصوص لها، منها 20 مذكرة مؤيدة لفلسطين و22 معارضة لفلسطين، والمدعية العامة لخصت مذكرة النقابة واقتبست منها في قرارها بنسبة 43%.

وفيما يتعلق بالقرار الصادر عن بنسودا، يوضح قفيشة رأيه كخبير قانون دولي بأن محاكمة مجرمي الحرب الإسرائيليين حينما تحدث فإنها تتم ليس لإسرائيل كدولة، بل كأشخاص ضباط ومسؤولين سياسيين إسرائيليين وقادة المستوطنين ومستوطنين، فيما يشدد على أن قرار الجنائية المختص بالولاية القضائية هي ليست فتوى بل هي ملزمة وقرار تاريخي لأجل فلسطين، لكن الأمر يحتاج إلى وقت طويل، فإجراءات التقاضي طويلة، والخطوة التالية بعد قرار بنسودا أن تفتح المدعية العامة التحقيق بجرائم الاحتلال.

ويقول قفيشة: إن فتح التحقيق يصبح به إمكانية لتوجيه اتهام لمجرمي الحرب وإلقاء القبض عليهم، وهو ما يسبب هوساً لأولئك المجرمين، خاصة أن 124 دولة هي أعضاء في المحكمة الجنائية، وحينما يصدر قرار بحق الشخص مرتكب الجريمة، فيجب بعدها على الدول الأعضاء في المحكمة وفق ميثاق روما القبض على أولئك المجرمين، ويبقوا ملاحقين لا يسافرون”.

وحول إمكانية القبض على المجرمين، يوضح قفيشة أنها من الممكن أن تمتد لسنوات قد تصل 20 سنة، لكن طلبهم أو إصدار مذكرات بحقهم من الممكن أن يتم البدء بها خلال الأسابيع المقبلة، والقبض على أولئك المجرمين، قد لا تكون المذكرات بحقهم معلنةً، بل من الممكن أن تتم بالخفية، “صحيح أن إسرائيل تحاول إحباط قرار الجنائية الدولية الأخير لأجل عدم فتح التحقيق، من خلال الإدارة الأميركية والحراك الدولي، لكن القرار مقدمة مهمة لمطاردة وملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين”.

 

عيسى: قرار مهم وانتصار معنوي وبحاجة لإجراءات طويلة

ويؤكد الخبير في القانون الدولي حنا عيسى في حديثه لـ”القدس” أن الولاية الجغرافية على الأراضي الفلسطينية المحتلة عام 1967، وهي بمساحة 6209 كيلو مترات مربعة، وهو يأخذ بعين الاعتبار قرار الجمعية العمومية عام 2012 أن فلسطين أرض محتلة، ويؤكد الوضع القانوني لها.

ويشير عيسى إلى أن قرار المحكمة لا يدين إسرائيل، وهو قرار معنوي مثل فتوى لاهاي فقط بحيث أكد أن فلسطين عضو في المحكمة ولها أرض محتلة، والولاية القضائية بحاجة لخطوات أخرى، خاصة أن متابعة التصريحات للناطق الإعلامي باسم المحكمة، حول أن إسرائيل غير ملزمة بالتعامل مع المحكمة، على اعتبار انها غير عضو بالمحكمة، والقضية يجب أن ترفع في اطار”دولة مقابل دولة”.

ويتابع: “المحكمة الآن أمام 3 خيارات؛ إما أن تجتمع وتقرر التحقيق بالجرائم أو إغلاق الملف ، أو استمرار التحقيق، “نحن لا نعرف متى تبدأ المحكمة، لكن ندرك أن إجراءات المحكمة بخطواتها في التقاضي طويلة وقد تستمر سنوات طويلة”.

 

جبارين: المطلوب هو المرحلة الثانية بالانتقال للتحقيق

بدوره ، يؤكد مدير مؤسسة “الحق” شعوان جبارين في حديثه لـ”القدس” أن مرحلة الفحص الأولي للولاية القضائية للمحكمة قد انتهت، والآن فإن المطلوب هو المرحلة الثانية بالانتقال للتحقيق بإصدار قرار من المدعية العامة بإعلان فتح التحقيق الرسمي في كافة الجرائم المرتكبة.

وحول كيفية تعامل المحكمة مع الجرائم والتحقيق بها، يوضح جبارين أن إسرائيل لن تسمح للمحكمة ومختصيها بالدخول، لكن رغم ذلك لدى المحكمة ومختصيها وسائلهم للحصول على المعلومات المطلوبة حول الجرائم المرتكبة.

ويقول جبارين: إن عدم سماح إسرائيل للمحكمة ومختصيها بالدخول إلى الأراضي الفلسطينية لا يعني شيئًا بالمعنى العملي، إن الحالة النموذجية أن يكونوا موجودين للتحقيق، لكن إن منعوا فإن بإمكانهم التواصل المجتمعي مع الضحايا أو المؤسسات”.

 

قضيتان تنظر بهما الجنائية بالشأن الداخلي الفلسطيني

وبالنسبة للقضية التي يتم الحديث عنها بإمكانية التحقيق حول تنفيذ الفلسطينيين ممارسات تقع في اختصاص المحكمة، فإن جبارين يؤكد إمكانية ذلك فيما يتعلق بقضيتين رئيسيتين، هما: “قتل العملاء عام 2014 عبر تصفيتهم بالشارع في حرب غزة، والقضية الأُخرى قضية إطلاق الصواريخ حول أهداف مدنية إسرائيلية”.

ويشير جبارين إلى أنه تم تشكيل لجنة فلسطينية للتحقيق بما حدث في غزة، لكن وعلى اعتبار أن فلسطين لم تحقق بالمسألة بشكل جدي فإن ذلك قد يدخل في اختصاص المحكمة الجنائية، “المحكمة أداة لملاحقة مرتكبي الجرائم وإنصاف الضحايا، هناك ادعاءات علينا، وقد تكون هناك أخطاء ارتكبناها، ولكن الموضوع سهل بالإجابة عليه، وستطلب المحكمة أسماء معينة فلسطينياً، وستطلب من فلسطين أن تتعاون معها لتمكين المحققيين حول ادعاءات معينة، وفلسطين متعاونة مع المحكمة منذ البداية”.

 

سلطة أخلاقية تُلزم الدول الأعضاء بجلب مجرمي الحرب الإسرائيليين

وحول إمكانية ملاحقة مجرمي الحرب الإسرائيليين، يوضح جبارين أن هناك سلطة أخلاقية ومعنوية، وهناك 123 دولة عضو في المحكمة الجنائية الدولية، وجلب أولئك المجرمين إن سافروا وتحركوا مسألة مجبرة عليها تلك الدول الأعضاء، وجب أن تتعاون مع المحكمة.

ويتابع جبارين: إسرائيل تحاول التوجه للدول بأنه إن صدرت مذكرات توقيف لأولئك المجرمين الإسرائيليين، أن تبلغها مسبقًا، وإسرائيل حاليًا تعمم على قادتها بأن يأخذوا انتباهم حول إمكانية القبض عليهم.

وفيما يتعلق بقضية العقوبات الأميركية التي فرضتها الإدارة السابقة برئاسة دونالد ترامب على المدعية العامة للمحكمة الجنائية، يشير جبارين إلى أن قضاة المحكمة أخروا وأجلوا القرار بسبب الخوف، لكن هناك محاولات أميركية في المجتمع المدني لإلغاء الأمر التنفيذي بفرض عقوبات على المدعية العامة للجنائية.

ويشير جبارين إلى أن الإدارة الجديدة برئاسة جو بايدن غير معنية أيضًا بفتح التحقيق مع مجرمي الحرب الإسرائيليين، وقد يضغطون على الجانب الفلسطيني سياسياً، كما يشدد على أن المحكمة لو لم تصدر القرار الأخير بشأن الولاية القضائية لكانت أمام تحدٍّ لمبرر وجودها، وهي بقرارها دافعت عن مبرر وجودها.

 

رابط مختصر