هذا هو الفارق بين المبادرة الفرنسية والمبادرات السابقة

مقالات
25 يونيو 2016آخر تحديث : منذ 5 سنوات
هذا هو الفارق بين المبادرة الفرنسية والمبادرات السابقة

بقلم: حسين حجازي- جريدة الأيام

هل نتحقق الان وبعد مصادقة وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي بالاجماع على المبادرة الفرنسية، بالدعوة الى انعقاد المؤتمر الدولي قبل نهاية العام من جدية المسألة؟ وان أوروبا واميركا معا أي ما يسمى بالغرب انما هو بالاخير الذي يملك الإرادة او الموقف او هو اللاعب الحاسم في هذه القضية وليس إسرائيل. وذلك في تحقيق الهدف الرئيسي من الدعوة الى هذا المؤتمر وهو تطبيق او لعله فرض حل الدولتين، والا أيضا ما هو المغزى من اللقاء في هذا السياق وليس غيره يوم غد الاحد في إيطاليا بين جون كيري وبنيامين نتنياهو؟.

وهل نقول ايضا مغزى تحرك الأمواج الصامتة في إسرائيل نفسها على خلفية هذا النزاع او الازمة المعلنة بين الغرب وإسرائيل؟ اذا سلمنا بحقيقة انه لم تكن هناك مرة سابقة ان حكمت إسرائيل على هذا النحو من قبل جناح واحد مغلق بلون واحد، وبالتالي فإن الضغط الفعلي والملموس الممارس على رأس هذا الجناح الحاكم في اسرائيل والذي هو الأكثر تطرفا في تاريخ الحكومات الإسرائيلية، انما هو مزدوج من الخارج والداخل. لاحظوا عودة ظهور هذان الجنرالين الاّن في هذا التوقيت ايهود باراك وموشي يعالون.

ولكن اذ يقلل البعض بيننا فيما يمكن تسميتهم بالمتشائمين او المحبطين او المرجفين، مما نعتبره هنا تحولا حقيقيا وجديا في صراعنا مع إسرائيل، بل تحولا يرقى الى حد وصفه بالانقلاب الاستراتيجي في البيئة الدولية المحيطة بالصراع. فان مناقشة موضوعية بل وبسيطة للفرضية التي يستند اليها هؤلاء في خلفية موقفهم، وهي الخبرة الماضية لجميع تلك المبادرات والتدخلات السابقة. انما تظهر تجاهلا بل جهلا واستخفافا بالحقيقة الوحيدة التي تقف اليوم وراء هذا الحراك او التدخل الدولي غير المسبوق في واقع الامر.

اذا قل لي هنا او عد على اصابعك منذ مبادرة روجرز المبكرة بعيد حرب حزيران 1967، ثم دبلوماسية هنري كيسنجر المكوكية او ما يسمى لاحقا سياسة «الخطوة خطوة»، وبعد ذلك زمن الرئيس كارتر وبيان فانس- غروميكو اي البيان الأميركي والسوفياتي، وصولا الى مبادرة ريغان بعيد خروجنا من لبنان الى مؤتمر مدريد للسلام العام1991. هل كانت الدولة الفلسطينية بالفعل وهدف اقامتها المعلن والمباشر هو المحور الرئيسي والهدف الواقعي في صلب واساس محددات هذه المبادرات؟ والجواب كلا.

وحتى التوصل الى عقد اتفاقية أوسلو  ظل مرتبطا مسارها اللاحق بالرجلين اللذين تفاوضا عليها بالسر والخفاء، أي رابين وعرفات. وفيما بعد جرى تغطيتها أميركيا وعالميا ولكن انتهى فعليا مسار استكمالها باغتيال الرجلين دون ان يحرك العالم ساكنا.

وفقط لعل المبادرة او التدخل الفعلي الخارجي المؤثر والذي كان ينطوي على قدر من الجدية والزخم، انما تمثل بدعوة الرئيس كلنتون عرفات وباراك في نهاية ولايته الى مفاوضات كامب ديفيد، وهي المفاوضات التي حققت لأول مرة اقترابا جديا من هدف انهاء الصراع وتحقيق حل الدولتين، لكن مقاربة كلينتون التي افتقدت الى الحياد، وتردد ايهود باراك الذي كان هدفه المناورة لعزل عرفات افشلا هذه الفرصة التي بدت ممكنة وسانحة، ومثلت بالفعل تجاوزا لرؤية إدارة بوش الاب وجيمس بيكر في مؤتمر مدريد.

والراهن الاّن ان هذا التحرك الفرنسي والاوروبي باسم المجتمع الدولي، انه غير مسبوق وشيء مختلف ومتغير في مقاربته للصراع، كما في دوافعه مجموع الدوافع والضغوط التي الحت على فرنسا طرحها الاّن، وابداء الاستعداد في الوقت نفسه لممارسة الضغط، واكاد أقول القتال بالمعنى المجازي في مواجهة الرفض الإسرائيلي. وهذا هو العنصر الجوهري المتغير والجديد في المفهوم المؤطر لدور الوسيط او الراعي لعملية السلام.

لاحظوا هنا التهديدات المبطنة ما بين السطور في بيان الاتحاد الأوروبي، ولكن المسالة واضحة ازاء كانت هذه الضغوط والدوافع التي املت  القيام بطرح المبادرة، انما تتعلق بالامن القومي لفرنسا وأوروبا معا. وهي مسالة غير قابلة للمزاح، واستراتيجية تماما، ولا تتعلق بتبرئة الضمير الأخلاقي والشعور بالذنب.

والواقع ان جميع تلك المبادرات السابقة المشار اليها انما كانت تدور في حلقة مفرغة واحدة، قوامها إدارة الازمة او احتواء منسوب لهب النار، بدلا من العمل على حل النزاع ومعالجة أسباب الحرائق. اما الاّن وقد وصلت هذه الحرائق الى البيت الأوروبي والامريكي فقد تغير الموقف، والذي تغير أيضا ان لهذه اللعبة كان عراب واحد ومقاول، وهي الإدارات الأميركية المتعاقبة. وهي التي كانت تضع قواعد اللعبة وكان الدور الأوروبي يقتصر على اللعب في الهوامش التي تحددها وترسمها لها الإدارات الاميركية. ولكن الذي حدث الان مع إدارة باراك أوباما هو الانقلاب على هذه اللعبة السابقة التي كانت تريح الحكومات الإسرائيلية المتعاقبة، مع اكتفاء إدارة أوباما بالقيادة من المقاعد الخلفية وهو دور تمارسه اداراة أوباما بدهاء وحنكة بل وخبث مع نتنياهو، عبر هذه الضغوط الخفية من التلويح امام الرجل في المدة الأخيرة بالعصا من جهة، وبالجزرة من الجهة المقابلة. بما في ذلك استعمال ورقة المساعدات الامريكية لإسرائيل.

منذ متى اذا كان الموقف الدولي على هذه الشاكلة او استمعنا الى هذا الكلام على لسان زعيم أوروبي، كالتصريح الذي ادلى به فرانسوا هولاند الرئيس الفرنسي الأسبوع الماضي؟ بعد مصادقة وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي على المبادرة الفرنسية من دعوة إسرائيل الى التطور والتحرك، وان مستقبلها ووجودها اليوم هو على المحك ويعتمد على هذا التطور.

وكان لدايان وهو بطل ابطال إسرائيل مقولة مشهورة «ان من لا يغير رايه فهو حمار» أي ان من لا يستطيع التكيف مع المتغيرات ليس سياسي وانما حمار. وهكذا حتى بالمقارنة مع الانقلاب اليميني في إسرائيل العام 1977، والذي جاء بحكومة الليكود لأول مرة بزعامة مناحييم بيغن الى الحكم بعد ثلاثين عاما من حكم حزب العمل، فقد كانت حكومته اليمينية التي عقدت السلام مع مصر تضم في صفوفها كلا من دايان وعيزر وايزمان، وكان هذان الرجلان الجنرالان والعسكريان المعروفان باعتدالهما السياسي، بمثابة كفة الميزان الراجحة التي اضفت على حكومة بيغن  اليمينية الأولى قدرا من التوازن والواقعية العقلانية على حد سواء. بحيث تم التوصل الى الاتفاق التاريخي بين بيغن وأنور السادات في كامب ديفيد برعاية كارتر.

والراهن اننا يجب ان نفهم نحن الفلسطينيين ان هذه هي الفرصة الحقيقية الأولى من نوعها بزخمها بل وقوتها الدافعة لتحقيق هدفنا الاستراتيجي الكبير بانهاء الاحتلال وإقامة الدولة الفلسطينية، وانهاء هذا الصراع الذي استنزفنا على مدار مئة عام. وهي فرصة تأتي أيضا في الوقت نفسه الذي تنضج فيه رغم الحروب المستعرة في العراق وسورية وفي الشرق الأوسط ككل مواقف القوى العربية الإقليمية المؤثرة للتوصل الى عقد هذا السلام، على قاعدة انهاء الاحتلال وقيام فلسطين إعادة بعث دولة فلسطين. وهو تحول كبير لا ينبغي مقارنته بنمطية الأفكار والمقولات القديمة والتي تجاوزتها الاحداث والمتغيرات الكبرى، التي تعصف بالعالم والمنطقة.

وقد جاء رد نتنياهو غاضبا يوم الخميس بعد القاء الرئيس أبو مازن خطابه امام البرلمان الأوروبي، الذي عرض فيه بعضا من فصول المأساة الفلسطينية وسط تصفيق النواب الأوروبيين في بروكسل عاصمة القرار الدولي، وقال معلقا على الخطاب متهما أبو مازن «بفرية الدم» أي أكاذيب الدم، وهي نفس التهمة التي لوحوا بها امام ليندون جونسون الرئيس الأميركي بعيد قصفهم السفينة «ليبرتي» وقتل ثلاثمائة من جنود المارينز على ظهرها يوم الثامن من حزيران 1967 ،لكي يصمت ويقبل بالتعويض المالي البخس الذي عرضوا تقديمه الى أهالي واسر الجنود القتلى.

لكن تراه ماذا سيقول وهو يخطط للقيام بجولة افريقية على أربعة دول، بينما يعزف النشيدان الوطني الفلسطيني ونشيد الاتحاد الأوروبي على شرف استقبال رئيس دولة فلسطين محمود عباس؟ ويتحسر هو على أيام خلت حينما كان هو واسلافه من قادة إسرائيل يمارسون هذا التلاعب المنفرد بالحقائق والوقائع ليقدموا منفردين الرواية الإسرائيلية، ولا يسمع صوت الفلسطينيين. ولقد انتهى هذا الاّن ووقف نواب البرلمان الأوروبي سلاما لرئيس الفلسطينيين بعد عرض رواية من كانوا بالأمس الغائبين والمحرومين من حق الحضور والكلام.

ولقد كانت هذه هي الرسالة التي اوجعت نتنياهو من جانب الغرب الحليف السابق ،كما لو انه احتفاء بما سيكون لاحقا امرا واقعا وهي رسائل تفهم برمزياتها، في اطار من التقاليد لا تصدر عنها أي خطوة دونما قصد مسبق. وهذه هي اللحظة الحاسمة التي يقترب منها الصراع والقضية الفلسطينية. والا هل كان عفو الخاطر ان يذكر الرئيس في خطابه القرار 181 أي قرار التقسم؟ ويؤكد على الاعتراف به اذا كانت لم تقبل إسرائيل بحدود الرابع من حزيران 1967.

ولكن لنرى الى يوم الاحد ما الجواب الذي سيقدمه نتنياهو الى جون كيري وان كان الرجل سيغير رايه ام لا؟ والتفكير في الاّن نفسه بما قصده خالد مشعل عن مخطط قوى في الإقليم مع إسرائيل لتغيير المشهد في غزة ورام الله على حد سواء، ولعل في هذه النقطة الاخيرة يخفي نتنياهو جوابه الحقيقي. ولكن ربما قد سر وفرح اسوة باقرانه في أوروبا وحول العالم من اليمينيين بخروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي، ويصلي في قرارة اعماقه ان يتفكك الاتحاد الأوروبي ويصاب بالخراب باعتباره تحول لان يصبح حليف الفلسطينيين.

رابط مختصر