امتحان الجرح إلغاء التسهيلات في شهر رمضان ليس فقط خطوة عقابية بل وأمنية لصعوبة مراقبة آلاف الزوار

الشأن الاسرائيلي
11 يونيو 2016آخر تحديث : منذ 4 سنوات
امتحان الجرح إلغاء التسهيلات في شهر رمضان ليس فقط خطوة عقابية بل وأمنية لصعوبة مراقبة آلاف الزوار

كتب :اليكس فيشمان،لـ يديعوت

لا يرفع السلاح، لا ينفعل ولا يطلق. العملية أمسكت بوزير الدفاع الجديد، افيغدور ليبرمان، وهو يجري مشاورات داخلية مع موظفي مكتبه في الطابق الرابع عشر في الكرياه في تل ابيب. بصعوبة استطاع الوصول إلى مراسيم احياء ذكرى جنود الناحل، لتصل إلى طاولته ورقة أدخلها السكرتير العسكري وفيها معلومات عن عملية على مسافة بضع مئات الامتار من هناك. هذا هو الامتحان العلني الاول له. يعرف ليبرمان أنهم يتابعون بالمجهر كل حركة وكل تصريح له، يتوقعون أن يحرق النادي. وفي نفس الوقت يقومون بامتحان وزنه في القيادة الامنية، كيف يقف أمام رئيس الحكومة وأمام وزير الامن الداخلي وأمام هيئة الاركان العامة. إنه ما زال يشدد على تمييز نفسه. يظهر بالبدلة وربطة العنق، أنا لا أنوي الظهور كرجل عسكري، أنا مواطن مسؤول عن الجيش.

ليبرمان يعرف أنهم يتربصون له في الزاوية: لنراك الآن أيها البطل الكبير. لنرى ماذا يمكنك فعله.

لكن «اجراء المعركة» ـ وهو تسمية العمل في الجيش والشباك ـ هو الذي يفرض الحالة. من يريد السير على ارضية صلبة، على الاقل في الاشهر الاولى من وظيفته، يجب عليه البقاء ملتصقا باصحاب المهنة، الاستخبارات والحقائق والمصالح الباردة. وابقاء المشاعر جانبا. أو حسب ليبرمان: اجراء عملية لاطالة الفتيل. وهذا ما حدث. خلال فترة قصيرة منذ لحظة الابلاغ عن العملية اجتمع في مكتب ليبرمان رئيس الاركان غادي آيزنكوت ورئيس الاستخبارات الجنرال هرتسي هليفي ومنسق اعمال المناطق الجنرال يوآف مردخاي. وكان هناك ايضا السكرتير العسكري لوزير الدفاع، العقيد يئير كولتس، وهو شخصية استخبارية وخبير بما يحدث في السلطة الفلسطينية وفي الضفة الغربية، وكان مسؤول الاستخبارات في المنطقة الوسطى، ومن التشاور مع رئيس الاركان كان واضحا بأن قرية يطا هي مصدر العملية. أوامر فرض الاغلاق وبدء العمل داخل القرية ـ بمشاركة الشباك ـ تم اعطاءها فورا.

في المشاورات مع القيادة في الجيش تم وضع عدد من الخطوات التي طرحت بعد ساعة في اللقاء الذي عقده رئيس الحكومة مع وزير الدفاع ووزير الامن الداخلي. في السطر الاخير: القرار الرئيسي الذي تم اتخاذه هناك هو عدم الحاق الضرر بنسيج حياة الفلسطينيين في المناطق. عدم الحاق الأذى بحرية حركتهم وعدم اضافة الحواجز وعدم سحب تصاريح العمل. ولكن كانوا ملزمين بايجاد مقولة امنية متشددة. عندها تم اختيار خطوات مؤلمة تتعلق بالتسهيلات في شهر رمضان. هذه ورقة لعب ثابتة يتم اللعب بها دائما حسب الظروف. التسهيلات هي امور قابلة للتوقف: يتم اعطاءها وأخذها حسب البارومتر في الميدان: «نحن نقدم التسهيلات من اجل أن نأخذ المقابل»، قال أحد الجنرالات في الجيش منذ فترة قصيرة. إذا الفلسطينيون من الضفة لن يأتوا بأعداد كبيرة لزيارة العائلات ولن يذهبوا إلى شاطيء البحر ولن يصل الغزيون إلى الحرم ـ هذا ضرر معنوي يصعب قياسه.

هذه ليست اصابة لاجواء العيد فقط، يوجد هنا عامل أمني أيده الشباك. مراقبة العمال المعروفين المسجلين الذين يدخلون للعمل في اسرائيل، هي في الاصل مشددة. والعمال الذين بحوزتهم تصاريح لا ينفذون العمليات تقريبا. وفي المقابل، يصعب مراقبة آلاف السياح في رمضان.

الخطوة الوحيدة التي تبدو مختلفة عن السابق هي العلاج الشامل والفوري تجاه العائلة الموسعة للمخربين. عقاب جماعي مركز. يتم التعامل مع أبناء العائلة الموسعة كمتعاونين. نقطة. في الوقت الحالي صادروا أكثر من 200 تصريح من أبناء العائلة، وهذه ضربة اقتصادية صعبة واحيانا تكون مؤلمة اكثر من هدم المنزل الذي تقوم السلطة باعادة بنائه. في ظل عدم وجود العمل، فان هالة الانتماء لعائلة الشهيد تتلاشى. إذا فرضت عقوبات اخرى على العائلة مثل تقييد الحركة وعدم منح تصاريح العمل وهدم المنازل ـ هنا يكون وزير الدفاع الجديد قد انتهج سياسة عقابية موسعة، على الاقل في المحيط القريب والمؤيد للمخرب.

 

مخارط الإرهاب

في الوقت الحالي، وفي الامتحان الاول لحكومة نتنياهو ـ ليبرمان أمام إرهاب حقيقي، لا توجد فكرة جديدة لم تأت بها حكومات سابقة. والامر يبرز بشكل اكبر على ضوء اللهجة الكلامية المعروفة لنتنياهو وليبرمان في احداث مشابهة في

الماضي. الواقع أقوى من وجع البطن. وفي نهاية المطاف يتماشى الجميع مع الواقع الذي هو مجموعة من الضغوط والمصالح والثمن مقابل الفائدة. البراغماتية هي اسم اللعبة، وهذا جيد. وعندها سنبقى في اطار توصيات جهاز الامن للمستوى السياسي بعمل فصل كامل بين السكان وبين منفذي العملية. ستمر قرية يطا الآن باسابيع صعبة من الاغلاق والتفتيش والاعتقالات والتحقيق. يبدو أنهم لن ينسوا رمضان 2016. ولكن في باقي مناطق الضفة ستعود الحياة إلى طبيعتها. في مرحلة معينة سيتم اعادة تصاريح الزيارة في اسرائيل في العيد.

امتحان ليبرمان بدأ الآن. خلال فترة قصيرة سيتبين أن هناك علاقة معينة بين القتلة وبين حماس. التي لها تأثير قوي في منطقة يطا. إذا نجح القتلة في وضع أيديهما على سلاح يتم انتاجه في مخارط في المنطقة، فيحتمل أن تكون لهما صلة مع شخص من حماس يرتبط بهذه المخارط. هنا لا يجب البحث زيادة عن اللزوم. يطا، منذ سنوات طويلة، هي مخزن السلاح لمنطقة جبل الخليل. والقرية هي هدف استخباري للشباك والسلطة الفلسطينية. الاقتحامات التي تنفذها القوات الأمنية بين الفينة والاخرى تواجه بعض الصعوبات. هذه منطقة ليس فيها قانون. سنتابع لنرى إذا كان دخول القوات الأمنية إلى يطا سيكون ضمن سقف زمني أم ستنفذ هناك عمليات متواصلة في العمق تشمل تفكيك خلايا حماس وجمع السلاح بقدر الامكان دون اشعال الضفة. قرار كهذا يستطيع وزير الدفاع اتخاذه: اقتلاع الخطر من يطا كنموذج لاماكن اخرى.

حماس لا تتحمل في السنوات الاخيرة المسؤولية عن العمليات من اجل عدم تعريض «المجاهدين» للخطر. المتحدث باسم حماس الذي أعلن أن العملية في يوم الاربعاء هي فقط المفاجأة الاولى، جاء ليقول للاسرائيليين إن منظمته هي التي تقف وراء العملية ـ دون تحمل المسؤولية. لا يجب اعطاء رموز للجمهور الفلسطيني. فهو يفهم اللغة. هذه تقنية دعائية من خطابات نصر الله على شكل: سنقوم باطلاق الصواريخ إلى ما بعد، ما بعد حيفا. أي لدينا المزيد من العمليات لفترة شهر رمضان.

في الرواية الفلسطينية لم تكن هذه عملية افراد، بل عملية لمنظمة تمت بشكل متعمد في مركز تل ابيب قرب كرسي ليبرمان الذي هدد قبل فترة قصيرة قادة حماس. الرد الاسرائيلي، كما يفهمون، سيكون نحو الشارع الفلسطيني مثل القول الشعبي «هيه هيه لبنية». والامر الذي فعله الاسرائيليون في السابق سيفعلونه الآن. ولن يتغير أي شيء.

 

إلهام من سوريا والعراق

العملية في شارونا عكست الدمج الدموي بين اجواء التحريض في رمضان وبين المتواجدين غير القانونيين الذين يتجولون في قلب اسرائيل ويضربونها في بطنها الرخوة. عادة يضربون في اماكن معروفة لهم، عملوا فيها أو تواجدوا فيها في السابق. الآن ضربوا في قلب مركز الترفيه في تل ابيب بالقرب من معسكر لهيئة الاركان.

لم يكن هناك أي تحذير مسبق، لكن كل المهنيين حذروا، وقالوا إن تراجع حجم العمليات هو هدوء مضلل لأن الشروط الاساسية لاندلاع العنف لم تتغير. تحدثوا عن التحريض في وسائل الإعلام العربية خلال رمضان، وعن الانتقال إلى الحياة في ساعات الليل وعن الشباب الذين يتجولون في الليل في الشوارع دون فعل أي شيء، يبحثون عن طريقة للتعبير عن الانفعال الديني. هذا سيناريو يتكرر كل سنة في هذا الشهر وبشكل دائم تقريبا: مخرب وحيد أو مجموعة صغيرة من الشباب المحرضين يخرجون في الليل بعد انتهاء الصيام من اجل تنفيذ العملية التي تتسبب بأكبر قدر من القتل والتدمير. وفي كل مرة وبشكل مؤلم ومفاجيء نكتشف نقاط ضعف الحماية.

الشابان اللذان نفذا العملية يبلغان 20 و21 سنة، جاءا من منطقة مستقرة اقتصاديا بشكل نسبي، من منطقة الخليل. لم يكونا معروفين للاجهزة الامنية. وحقيقة أنهما نجحا في الحصول على السلاح من صنع محلي، من نوع كارل غوستاف، لم تصل إلى جهاز الشباك. هذه الظاهرة للخلايا المحلية في الضفة التي لا تتصل مع منظمات ممأسسة، تميز موجة الإرهاب الاخيرة وتضع تحديا مركبا أمام الشباك والجيش والشرطة. يجب علينا التذكر أن موجة الإرهاب الفلسطينية تستمد الالهام مما يحدث في العالم العربي: العمليات في تركيا والعراق وسوريا والاردن ومصر. في كل يوم يولد شهداء جدد، نموذج للتقليد، واسرائيل ليست محصنة في وجه هذه الموضة العالمية التي مصدرها هو الإسلام المتطرف. الخلية التي نفذت عملية أمس هي استمرار مباشر للخلية التي انتظمت في بيت لحم ونفذت العملية الانتحارية في خط 12 في القدس قبل نحو شهرين. الحديث يدور عن نفس القصة ونفس المادة الانسانية ونفس نمط العمل: شباب لا ينتمون إلى أي تنظيم إرهابي ممأسس، ينتقلون من السكاكين إلى السلاح، ما زال الحديث يدور عن سلاح من صنع محلي. ولكن السعي للحصول على سلاح عادي اكثر دموية سيتحقق في المرات القادمة.

يجب تشغيل ماكينة قص العشب

في ظل غياب المعلومات المحددة عن هؤلاء الاشخاص ونواياهم أو سجلات سابقة عند الاجهزة الأمنية من اجل متابعتهم ـ لم يبق سوى العودة إلى الحلول المعقدة والمكلفة للحماية الجسدية في الاماكن المكتظة. المخربان وصلا إلى شارونا أمس وأنهيا صيامهما في مطعم قريب وخرجا من اجل القتل. الحراسة على مدخل شارونا كانت كما يبدو جيدة لمنعهما من الدخول إلى داخل المطعم، وبالتالي فقد أطلقا النار في الخارج. من المفروض أن تكون حراسة خارجية لملاحظة المشبوهين. تمت العملية في الليل وكان المخربان يلبسان قمصان بيضاء ومعاطف من اجل الدخول بين الناس، وقد نجحا في عدم اثارة الاشتباه. التحقيق الداخلي للحراسة سيكون عليه فحص وجود أو عدم وجود علامات معينة، وهل كان يمكن ملاحظتهما قبل تنفيذ العملية. ولكن هذه ليست بالضرورة نقطة الضعف الاساسية في الحراسة.

نقطة الضعف في مواجهة الإرهاب الذي ضرب اسرائيل أمس كانت وما زالت العلاج الفاشل لظاهرة المتواجدين غير القانونيين، لا أحد يعرف كم هم، وأين يعملون بالضبط وأين ينامون. مشكوك فيه أن يكون هناك تسجيل دقيق لدى مدراء المجمعات التجارية، بينما هناك تسجيل دقيق للعمال الذين يعملون في تنظيف المنطقة، في المطعم والمحلات المختلفة. هذا ثقب اسود مطلوب من الشباك والشرطة اضاءته واغلاقه. إذا تم الزام المجمعات التجارية وشركات الحراسة بتسجيل كل العمال الذين تحت مسؤوليتهم، يمكن القول إن رجال الاعمال الذين يتجاوزون القانون ويشغلون عمالا بدون تصاريح، سيكونون أكثر حذرا.

وبغض النظر عن حجم الألم، فقد كانت هذه عملية بسيطة نسبيا: شابان غير معروفين يدخلان إلى اسرائيل ويأخذان السلاح ويطلقان النار على المارة. لا توجد تحذيرات استثنائية ولا توجد لوجستكا معقدة ولا توجد خطة للهرب. سيقوم الشباك الآن بدحرجة العملية إلى الوراء للكشف عن العلاقات الاجتماعية للقتلة ـ سواء في محيط العمل في اسرائيل أو في مكان السكن. حمولة حمامرة ـ من الحمولات الكبيرة في يطا، وخرج منها بعض الأسرى المحكومين بالمؤبد ـ ستتضرر اقتصاديا بشكل مؤقت على الاقل. وسيعطي التحقيق دفعة لطريقة «ماكينة قص العشب» ـ اعتقالات أكثر للاشخاص الذين لهم مميزات القاتلين من تل ابيب.

لقد قمنا باحتواء هذه العملية. المشكلة هي كيف يمكن منع العملية القادمة. لذلك فان اليوم الذي يلي العملية اشكالي أكثر. والسؤال هو ما الذي سيوصي به الشباك والجيش، والى أين سيذهب المستوى السياسي. هذا امتحان هام لرئيس الحكومة، ولا سيما لوزير الدفاع الجديد. يمكن تشديد الاجراءات ويمكن الانجرار إلى تحرشات حماس في غزة. فكل ما يطلبونه هناك هو اشعال الضفة وجر اسرائيل إلى هذه النار.

رابط مختصر