العودة إلى الزعتر والميرمية أمام الجائحة

تقارير
28 يونيو 2020آخر تحديث : منذ أسبوع واحد
العودة إلى الزعتر والميرمية أمام الجائحة

يامن نوباني

في مشهد يشبه مرور قوافل التجارة في عصور قديمة، تجوب دواب ومركبات متهالكة، بشكل شبه يومي منذ منتصف آذار الماضي وحتى اليوم، طرقاً وعرةً قاطعة جبالا ووديانَ تربط بين مدن نابلس ورام الله وسلفيت، حاملة الزعتر والميرمية.

في قرى اعتمدت حياتها حتى سبعينات القرن الماضي على الزراعة والثروة الحيوانية بشكلٍ أساسي، قبل تطور التعليم والتجارة والسفر والوظائف، وحين شُلت الحياة في الأشهر الأخيرة، عادت الناس إلى مصدر رزقها الأول “الطبيعة”.

وجوه شاحبة ومتعبة وقلقة، وجدناها تعتني بما قطفته الأيادي من زعتر وميرمية وأعدته للبيع، أجساد متعبة، سارت يوميا وعلى مدار أكثر من ستين يوما، ما بين 5 إلى 10 كيلومترات، في جبال متداخلة بين قرى وبلدات اللبن الشرقية وسنجل وعبوين وجلجيليا وجبال سلفيت من الناحية الجنوبية.

أبو أحمد ضراغمة (60 عاماً) واحد من أولئك الذين فقدوا عملهم داخل أراضي الـ48، بسبب جائحة كورونا، ليتحول إلى قاطف زعتر وميرمية.

يقول ضراغمة لـ”وفا”: كنت أعمل في أحد مطاعم مدينة يافا، وحين بدأت كورونا عُدت إلى الضفة، اعتقدت أن الحكاية ستكون أسبوع أو أسبوعين، لكن الأمور سارت نحو الأسوأ وفقدت عملي بعد تراجع عمل المطعم.

“دفعني المكوث الطويل، والذي امتد لأكثر من شهرين في البيت، لمحاولة إيجاد وسيلة رزق جديدة، خاصة بعد نفاذ مدخراتي التي لم تكن مهيأة لاستقبال ظرف كهذا، فوجدت الزعتر والميرمية  تؤمن لي احتياجاتي الأساسية للحياة”. يقول ضراغمة.

ويضيف: ليس سهلاً أن تستفيق من نومك في حدود الخامسة فجراً، وتبدأ رحلتك في الجبال بحثا عن لقمة عيش اعتقدتَ طيلة أربعين عاما من عملك في عدة مهن وبخاصة المطاعم، أنها في متناول اليد، وإذ بك تفقدها في غضون أسابيع قليلة.

غير بعيد عن منزل ضراغمة، يطرق عبد الرحمن ضراغمة (22 عاما) بعصا، الزعتر المفرود على سطح منزل ذويه المتهالك أصلا، لفصل الورق عن الأعواد، ثم يضع الأوراق على قطعة قماش أو صينية في مكان جيد التهوية وقريبا أشعة الشمس المباشرة، وبعد تجفيفه لعدة أيام يعرضه للبيع لتجار الجملة، حيث يصل سعر كيلو الزعتر الأخضر ما يقارب “10 شواقل”.

يقول عبد الرحمن ل”وفا”: كنت أعمل في البناء بمدينة رام الله، وحين توقفت الحركة بين المحافظات جلست كباقي الناس في البيت، لكنني وبعد عدة أيام تذكرت أنه من واجبي استكمال بناء بيتي والالتزام بدفع جزء من مصاريف البيت الذي يحوي تسعة أنفار، حيث والدي يعمل (بستنجي) في عدد من قرى رام الله وجلس مثلي في البيت لعدة أسابيع، وحين عاد لعمله كان ذلك بشكل بطيء جدا وغير مجدٍ لعائلة كبيرة، ما دفعني لإيجاد حل مؤقت تمثل في قطف الزعتر والميرمية من أجل سد رمق بيتنا وتأمين احتياجاتنا الأساسية.

أما زيدان عويس (53 عاما)، وهو أب لسبعة أولاد، فعمله في مقصف في إحدى مدارس كفر عقب توقف بعد أن تعطلت المدارس، إضافة إلى تعطل أربعة من أبنائه عن أعمالهم في النجارة والحدادة وبناء الطوب، يقول زيدان لـ”وفا”: منذ الأيام الأولى للإغلاقات والرعب الذي عاشه العالم بفعل جائحة كورونا، عرفت أن الحكاية ستطول، وأن المعونات التي بدأ الحديث عنها لن تفي بإطعام أبنائي وبيتي، وربما لن تصل، وهو ما حصل فعلا، لأسير مع أبنائي نقطع الجبال بحثا عن الزعتر.

ويضيف عويس: على الرغم من شقاء العيش على الزعتر أو الميرمية، والتعب البدني الكبير، حيث نعود من تلك الرحلة “مهدودين” إلا أن هناك متعة وصحة فيها، فكورونا مكنتنا من إعادة اكتشاف الطبيعة والعودة لأيام الصبا والشقاء، والسير مجددا في طرق وعرة وصعود جبال بعيدة جدا، والوصول لأماكن كنا نستخدمها فقط للرحلات العائلية والترفيه.

وبين: في خلال شهرين من قطف الزعتر حصلنا على 13 ألف شيقل، مكنتنا من الاستمرار في الحياة والاعتماد على الأرض والنباتات البرية المفيدة لصحة الإنسان والتي تستخدم في علاجات كثيرة.

في كل الأزمان المعتمة والظروف الحالكة، لجأ البشر إلى تعمير الأرض والاستفادة من خيراتها، بصفتها ملاذا آمنا، وواحداً من الحلول المهمة  للنجاة والمضي في الحياة.

في الحروب الكبرى، نهضت الدول بالزراعة إلى جانب الصناعة، وفي الأزمات الاقتصادية العاصفة، أوصى المسؤولون والقادة بعودة الشعب لأرضه وفلاحتها.

منذ انتشار فيروس كورونا المستجد “كوفيد 19″، ووصوله إلى فلسطين، حيث سجلت أولى الاصابات في محافظة بيت لحم في بدايات شهر آذار، أعلنت حالة الطوارئ ومنعت الحركة بين المحافظات، ثم لاحقا ازدادت حدة الإجراءات الاحترازية بعد ظهور عشرات الإصابات في عدة محافظات، وشمل الاغلاق كافة الضفة الغربية بمدنها وريفها ومخيماتها، وتوقفت كافة مناحي الحياة.

الشلل الذي أصاب الحياة العامة في منتصف آذار وشهري نيسان وأيار، أدى إلى أوضاع معيشية صعبة، وخاصة لدى فئة العمال وسائقي مركبات الأجرة والمطاعم وغيرهم من الشرائح التي تضررت بشكل كامل أو جزئي.

بعد إجازة عيد الفطر، في نهايات أيار، عادت الحياة شبه طبيعية، لكن لم يعد جميع العاملين إلى أماكنهم السابقة، منهم من عاد ومنهم من لم يعد بعد، ومنهم من لن يعود إلى ما كان عليه، ما اضطر الكثيرين إلى إيجاد مهن أخرى وطرق حياة مختلفة تضمن لهم البقاء والاستمرارية في عالم يهاجمه منذ نحو مائتي يوم، فايروس متوحش، لا أحد من البشر “بمن فيهم العلماء والأطباء” يعلم نهايته. أودى حتى اليوم بحياة أكثر من نصف مليون إنسان، وأصاب أكثر من عشرة ملايين ومئة ألف، مغيراً حياة مئات الملايين حول العالم، إضافة إلى آثاره الاقتصادية المدمرة لمئات الدول والمناطق خاصة الدول والتجمعات الفقيرة.

رابط مختصر