الشقيقتان أبو ريحان تخلقان التعليم دون مقابل

تقارير
25 أكتوبر 2020آخر تحديث : منذ شهر واحد
الشقيقتان أبو ريحان تخلقان التعليم دون مقابل

الحارث الحصني

قبل نحو عشرين عاما، لم تكن فرصة التحاق الشقيقتين غدير ونعمة برهان بشارات أبو ريحان بإحدى رياض الأطفال متاحة طوال العام، والسبب في هذا أن الفتاتين عاشتا متنقلتين بين طمون وخربة مكحول بالأغوار الشمالية.

هذه الأيام، يجد 15 طالبا من سكان بعض المضارب البدوية القريبة من وادي المالح بالأغوار الشمالية فرصتهم الكافية للالتحاق في سلك رياض الأطفال.

فما الرابط بين ذلك؟.

منذ بداية العام الدراسي الحالي، نصب مجلس قروي المالح والمضارب البدوية، “بشكل غير رسمي” حتى الآن خيمة متوسطة الحجم، وجلب الحاجات الأساسية للتعليم، لتكون مكانا يشبه روضة أطفال، تعطى فيه المواد الأساسية.

لكن، مدير تربية طوباس سائد قبها، قال إن هناك مشروعا لتبني تربية طوباس الروضة بشكل رسمي، بعد أن أوعز للمجلس بضرورة إقامة خيام ذات مواصفات عالية تلائم التعليم، ليستفيد منه أطفال المضارب البدوية.

بشكل مبدئي أُمن المكان الذي سيلتحق به الأطفال كروضة لهم، لكن تبقى مشكلة المكلفين بمهمة تقديم الدروس والمعلومات لهم.

وصل الخبر صدفة لنِعمة وشقيقتها غدير، فقررتا أن تأتيا من طمون (جنوب طوباس) حيث تسكنان إلى وادي المالح على نفقتهما الخاصة.

” هذا شيء لا يهم، وهي تقصد في ذلك قدومهما على نفقتهما الخاصة”. أخبرت نعمة (19 عاما)، مراسل “وفا”.

وحكاية أبو ريحان، وهما اثنتان من المتطوعين، تلفت النظر، فالفتاتان اللتان دأبتا على الدوام في الروضة منذ أكثر من شهر، تكونان يوميا على رأس عملهما في الروضة، دون مقابل.

فنعمة، التي تتواجد بعض الأيام في حرم الجامعة، مساء (بعد انتهاء تواجدها بالأغوار)؛ للتطبيق العملي ضمن تخصصها في التمريض، قالت لمراسل “وفا”، إنها تستعين بفتيات أخريات ذوات خبرة مسبقة، لوضع برنامج يومي تسير عليه لتقديم الجديد للأطفال.

وأضافت نِعمة: “عشت هذه الحياة في صغري، فلم أتلق التعليم بشكل كامل في الروضة، واليوم لا أُفضل أن يعيش الأطفال طفولة مثل طفولتي، إنها حياة صعبة”.

تكرر غدير الكلام ذاته، والتي أخبرت مراسل “وفا”، أنه يجب على الشخص التسلح بالإنسانية”. وتابعت: “لقد كانت معاناتي كبيرة وأنا في أعمارهم (..)، لا أريد أن يتكرر الأمر ذاته معهم”.

حتى الوقت الحالي، ما تزال تفاصيل الطفولة تحوم في ذاكرة الشقيقتين نعمة وغدير.

ولأنها طفولة كانت المعاناة فيها حاضرة، كما وصفت الفتاتان ذلك، دأبت الشقيقتان منذ أكثر من شهر على كتابة قصة، يمكن سردها للجميع.

بالنسبة لغدير (21 عاما)، وهي فتاة أكملت المرحلة الجامعية في تخصص تنمية المجتمع المحلي، فإن التعليم هو السلاح الأكثر وفرة لمواجهة سياسة “التجهيل” التي يتبعها الاحتلال.

وتابعت الفتاة: “بسبب سوء الأوضاع في الأغوار الشمالية، ولمواجهة سياسة الاحتلال التي ترمي لتجهيل الناس في الأغوار الشمالية، وجب علينا تقديم العلم دون مقابل”.

وغدير التي أمكن مشاهدتها وهي تلقن الأطفال بعض المعلومات قالت: “الآن أصبح بمقدوري مساعدة هذه الفئة حتى لا يعيشوا طفولتهم دون تعليم”.

بشكل عام، يعيش سكان المالح قبالة معسكر للاحتلال، وهو نمط حياة ينتشر في معظم أماكن الأغوار، وتظل حركة دؤوبة للمركبات العسكرية الإسرائيلية في المعسكر، وأحيانا يمتد الأمر لحركة الدبابات التي تشارك عادة في التدريبات العسكرية في الأغوار الشمالية.

منذ أشهر تحول التعليم الجامعي في فلسطين بالمجمل من التعليم الوجاهي، إلى الإلكتروني، بعدما ألقت جائحة “كورونا” ظلالها السلبية على حياة الناس، فكان هذا السبب بالنسبة لنعمة كافيا لتواجدها مع الأطفال بشكل يومي.

ونعمة أبو ريحان، الطالبة في الجامعة العربية الأمريكية بمحافظة جنين، في السنة الدراسية الثانية، تأتي كل يوم لتقديم المعلومات للأطفال، وتتلقى تعليمها النظري الجامعي عن طريق الإنترنت.

وبالنسبة لنعمة فإن هؤلاء الأطفال “متميزون، ويجب الاهتمام بهم، فنحن نلاحظ استيعابهم، واستجابتهم لما نقدمه لهم”.

تؤكد غدير ذلك، بعدما قالت إن “الاهتمام بأطفال الأغوار هو جزء من زرع الصمود في نفوسهم”.

يمضي الأطفال حسب برنامج يومي أربع فترات على الأقل، فبعد فترة الطابور الصباحي وهي تمارين صباحية تنشيطية للجسد، يدخل الأطفال داخل الخيمة لدراسة ما تعلموه في الأمس، ثم إعطائهم مادة جديدة، قبل الخروج للإفطار والاستراحة.

إلا أنه أمكن مشاهدة الأطفال خلال فترة التعليم، وهم يخرجون فرادى وجماعات للهو بألعاب بسيطة موضوعة في ساحة ترابية أمام الخيمة.

وبدا الأطفال وهم في لباس رسمي، ويضعون حقائبهم في أماكنها المخصصة.

مستديرين حول إحدى الطاولات التعليمية المنخفضة، يمارس الأطفال نشاطا تعليميا بكتابة الرقم 3، وقد أمكن مشاهدة كل طالب منهم يحمل لوحا خشبيا خصص له، وثبتت عليه ورقة بيضاء فارغة للكتابة عليها.

وحتى اليوم، استطاع الطلبة أن يتعلموا كتابة الأرقام من 1-3، وبعض الأحرف العربية، والإنجليزية أيضا.

قالت نِعمة: “من حق الأطفال في هذه المناطق المستهدفة أن يتعلموا أسوة بغيرهم”.

وتابعت الفتاة “ابتسامة الطفل أكبر داعم، يجب تهيئة الأطفال لدخول المرحلة المدرسة”.

مهدي دراغمة، وهو رئيس مجلس قروي المالح، قال إن الخيمة التي أقيمت بجانب بناء قديم في المالح، تقدم خدمات تعليمية لأطفال من تجمعات: “الميتة” والمالح، وأم الجمال”، وهي التجمعات القريبة.

وقالت غدير: “الأطفال في تطور ملحوظ، يلعبون، ويتلقون التعليم، ويمرحون بالأدوات المتوفرة”.

على أوراق بيضاء بدأ الأطفال بنشاط ترفيهي يحتاج لمقدرة ذهنية أكثر من تلك الأنشطة السابقة، فالمهمة التي كُلف بها الأطفال كانت رسم علم فلسطين وتلوينه.

فبعدما كان الأطفال لا يدركون الكثير، أصبح لديهم اليوم قدرة على رسم علم دولة فلسطين، وتلوينه.

تقول نعمة: “هذا الأمر سيساعد الأطفال في المستقبل.. إنهم مقبلون على مراحل تعليمية أكثر صعوبة”.

“هنا كل شيء يبدأ من القلم والورقة، الصمود يبدأ بالتعليم، والطموحات تبدأ من القلم”، تضيف غدير.

رابط مختصر