الإمبراطورية التي تبحث عن الشمس!

مقالات
30 ديسمبر 2020آخر تحديث : منذ 3 أشهر
الإمبراطورية التي تبحث عن الشمس!

بقلم: د. صبري صيدم

بعد مدّ وجزر استمرا لسنوات طوال، تحزم بريطانيا خلال أيام أمتعتها لتودع أوروبا في مشهد جنائزي محزن، سيكتب عنه التاريخ بأنه يوم حزين لمن قاتل لبقائها وسعيد لمن قاتل لخروجها.

ملايين الساعات أنفقت على هذا الأمر، ما بين استفتاء شعبي وما سبقه وصاحبه وتبعه من مداولات، وما توالى بعده من سجالات ونقاشات، ومؤتمرات واجتماعات، ولقاءات ومقابلات إذاعية وتلفزيونية، وصولاً إلى المؤتمر الصحافي قبل أيام، الذي أعلن فيه عن إنجاز صفقة «الطلاق» بين المملكة المتحدة وأوروبا، وما بينهما من انتخابات تتابعت في جولتين مختلفتين. إذ جاءت الانتخابات الأولى بموقف ثبّت عزيمة رئيسة وزراء كانت الثانية في عهد بريطانيا بعد مارغريت ثاتشر، وانتخابات ثانية ثبتت عزيمة رئيس حكومة مغامر ومصّر وعاقد للعزم، على طلاق أوروبا وما بينهما من صعود وهبوط لحزب العمال المعارض، وصعود وهبوط لأحزاب قومية مختلفة، كان أشهرها والأكثر تألقاً الحزب الوطني الأسكتلندي الرافض للانفصال، الذي اكتسح في الانتخابات الأخيرة مقاعد أسكتلندا بصورة غير مسبوقة، فلم يترك للحزبين التاريخيين المحافظين والعمال، سوى مواطئ قدم لا تتعدى أصابع اليد الواحدة.

المملكة المتحدة التي امتد حكمها ذات يوم حتى بلاد الهند والسند، وافريقيا وأستراليا ونيوزيلندا، حتى قيل عنها بأنها الامبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس، ستستفيق بعد أيام باحثة عن الشمس ذاتها التي ودعتها بفعل تقهقرها العسكري والسياسي، وانحسار دورها التاريخي، واختلاف الخريطة الاستعمارية والسياسية والدولية والاقتصادية حول العالم، حتى تقلصت حدودها منذ عقود لتقتصر إمبراطورية الشمس على مقاطعات إنكلترا واسكتلندا وويلز، القائمات على الجزيرة ذاتها، وشمال أيرلندا القائمة على الجزيرة الأيرلندية، وبعض الجزر والمناطق المتناثرة هنا وهناك، بما يشمل محمية جبل طارق في المغرب، وجزر الفوكلاند مقابل الأرجنتين، وغيرها القليل مما لا يرى بالعين المجردة على خريطة العالم. ورغم تحالف المستعمرات البريطانية السابقة في إطار ما عرف بالكومنويلث، إلا أن دور بريطانيا فيه لم يعد سوى شكلي ومحدود.

وعليه فإن مملكة الشمس ستخرج من أوروبا باحثة عن شمس، تحاول من خلالها العودة للانغلاق على ذاتها أكثر واستثمار مواردها الذاتية، وإقناع النفس بقدرتها على الصمود، بينما يستل الجميع ممن لم تعجبهم الصفقة الجديدة مع أوروبا سكاكينه، ويضعها وراء ظهره بانتظار لحظة الانقضاض على رئيس الحكومة بوريس جونسون، الذي سيدخل التاريخ بوصفه الرجل الذي قاد بريطانيا خارج أوروبا.

ومن بين قائمة المتحفزين، البعض من أعضاء حزب جونسون نفسه، ممن لم تفتر حماستهم الحذرة تجاه أوروبا، بمن فيهم وزير الدفاع الأسبق ونائب رئيس الحكومة اللورد هيزلتاين، الذي ساهم قبيل توليه لمواقعه الوزارية السابقة في عهد جون ميجر، في زعزعة عرش السيدة الحديدية ثاتشر، وإزاحتها بعد أكثر من عقد في رئاسة الحكومة.

كما تشتمل القائمة على رئيس حزب العمال الجديد السير كير ستارمر، الذي صرح بموافقته مكرهاً على اتفاق «الطلاق» وأنه سيصوت لصالحه، لكنه أكد على أن هذا الاتفاق إنما هو مسؤولية رئيس الحكومة لما يحمل ما سماه «محاذير وهفوات» وكونه – أي الاتفاق – لم يرتق للمستوى الذي أراده الشعب البريطاني، على حد زعمه .

بريطانيا حقيقة لم تكن يوماً داخل أوروبا سياسياً أو نقدياً، وإنما اقتصادياً ومنفعياً فقط، إذ ما زالت صيحات رئيس الوزراء الراحل تيد هيث الذي جاء بثاتشر إلى السلطة، وصيحات الأخيرة ذاتها في مجلس العموم البريطاني، تسكن الذاكرة لما حوته من نقاش قومي طويل وساخن ومحتد حول دخول الاتحاد الأوروبي من عدمه، وما اعتبر آنذاك تخلياً مرعباً عن تاريخ الإمبراطورية وكرامتها وإرثها.

بل تبع ذلك «حرب الحمم» التي تمحورت حول دخول بريطانيا إلى ما عرف باتفاق العملة الواحدة، وصولاً إلى رفض الاتفاق لتبقى الدولة الوحيدة تقريبا في أوروبا، التي حافظت على عملتها رغم كل ما مورس عليها من ضغوط.

حقيقة الأمر أن بريطانيا لم تعط أوروبا قلبها أبداً، بل أعطتها ظهرها حيث أمكن لأنها وببساطة لم تستطع أن تتنازل يوماً عن كبريائها الدائم وإرثها الاستعماري الطويل.

وعليه فإن طلاقها من أوروبا جاء لاستعادة مجد زائل وتاريخ راحل، ولكن الفرق واضح بين إمبراطورية لا تغيب عنها الشمس، وإمبراطورية ستبحث عن الشمس ذاتها التي حجبت نورها وضياءها عنها، فرق واضح لن يكون إلا درسها الأهم في تاريخها الطويل!

كلمات دليلية
رابط مختصر