من “هداريم”.. صراع الوعي من قلب سجون الاحتلال

17 يناير 2022آخر تحديث : الإثنين 17 يناير 2022 - 6:29 مساءً
Maqel
تقارير
من “هداريم”.. صراع الوعي من قلب سجون الاحتلال

مها الشيخ

استطاع أسرانا البواسل في سجون الاحتلال الإسرائيلي تجسيد تجربة وطنية عبر الاستزادة العلمية، والإصرار على تنمية القدرات، في تحدٍ للسجان، الذي يضيّق الخناق عليهم، ويعاقبهم، في محاولة لثنيهم عن مواصلة التعليم.

بعد نضال امتد لسنوات، طُرحت العديد من برامج البكالوريوس والماجستير للأسرى عبر جامعتي القدس “أبو ديس”، والقدس المفتوحة، فمن سجن “هداريم” كانت باكورة التعليم وامتدت إلى باقي سجون الاحتلال، بإشراف صاحب الفكرة الأسير الدكتور مروان البرغوثي، ونخبة من الأسرى المشهود لهم ثقافيا وفكريا وأكاديميا، مثل: وليد دقة، وكريم يونس، وناصر أبو سرور، وحسام شاهين، وياسر أبو بكر.

الأسير المحرر عبد القادر بدوي، الذي أمضى في سجون الاحتلال 7 سنوات يتحدث لـ”وفا” عن تحصيله الأكاديمي خلال فترة اعتقاله، بالقول: حصلت على شهادة “التوجيهي” من داخل سجن “النقب”، و”البكالوريوس” تخصص العلوم السياسية من سجن “هداريم”، عبر جامعة القدس “أبو ديس”.

ويشير إلى أن الأسير مروان البرغوثي الحاصل على شهادة الدكتوراه في العلوم السياسية من معهد البحوث والدراسات التابع لـجامعة الدول العربية، كان هو الذي يحاضرهم في “هداريم”، وكانت عدد ساعات محاضراته مضاعفة، عدا عن الواجبات اليومية والأسبوعية والأوراق البحثية والتقارير، وصولا لإعداد مشروع التخرج.

ويتابع: كان الأسير البرغوثي يقول أمامنا أن فلسفة التعليم تكمن في تحويل رقم الأسير الذي تلصقه إدارة مصلحة السجون به إلى رقم جامعي في الجامعات الوطنية الفلسطينية، متحدين الاحتلال الذي يحاول تجريدهم من انسانيتهم وتعريتهم من كل شيء.

ويضيف: الأبعاد الفكرية للتعليم تتمثل بسد الفراغ الذي يتسلل من خلاله الاحباط واليأس والمشاعر النقيضة المضادة لحالة السجون، وتعزيز كل وسائل الصمود، منوها إلى أن الأسير صاحب رسالة يعمل عليها ويطورها لوعي منحاز أكثر لمواجهة الاحتلال، والاشتباك معه فكريا، بعيدا عن الاستسلام، والهزيمة، لأن الصراع داخل السجن هو صراع ارادات.

ويقول: يعود اختيار برنامج ماجستير الدراسات الإسرائيلية عبر جامعة القدس في البداية دون غيره إلى أن إسرائيل تسعى من خلال سياسة الاعتقال إلى تحويل الأسرى لموضوع للتعذيب الجسدي والنفسي والذهني، الذي له علاقة بخلق وعي فكري جديد مشوّه مزيّف محايد، إذ أن البرنامج يحاول تفكيك إسرائيل بمشروعها ومنظومتها الاستعمارية، فالأسير بتعليمه يقوم بمهمة مضادة تنتصر في كل الأوقات.

ويذكر، أن التعليم مهمة معقدة مضنية لكنها ممتعة، لأن الأساس منها مقاومة السجان وتحديه، مشيرا إلى أن تجربة التعليم في “هداريم” قمعت بشراسة من قبل مصلحة السجون، من نقل وعزل الكادر الأكاديمي، والاستيلاء على الكتب، إذ استولت إدارة مصلحة السجون عام 2018 على أكثر من 2000 كتاب ومجلة، عدا عن المقتنيات التي تستخدم للتعليم، ولكن رغم ذلك تخرج مئات الأسرى من كل السجون، وهذه نقلة نوعية وثورة أكاديمية وعلمية.

بدورها، تشير الأسيرة المحررة ناريمان التميمي لـ”وفا”، إلى حالة الفرحة التي اعترتها وزميلاتها الأسيرات لحظة سماع أسمائهن بين الناجحين في الثانوية العامة من قلب سجن “هشارون” الإسرائيلي، قائلة: “عندما تولد الفرحة في أكثر الأماكن تعاسة، فلا يمكنك تخيلها، اختلجتنا مشاعر غريبة صعبة متناقضة”.

تقول ناريمان التي أمضت 8 أشهر في السجن، “التعليم في السجن ليس سهلا، كل شيء ممنوع، حتى الأقلام والدفاتر أحيانا لم تكن متوفرة، ويمنع إدخال الكتب العلمية”.

وشبهت الأسيرة المحررة التعليم داخل السجن “بالمرأة العقيم”، التي لديها بارقة أمل بالإنجاب، وكل شيء تستطيع أن تحققه لذاتك في السجن يكون ذو قيمة”.

وفي حديثها عن تعليم الأشبال في السجن، تقول: “هم كالأرض العطشى التي تريد الماء لترتوي، فيكون التعليم والقراءة رصيده لينمي نفسه”.

وعن التعاون بين الأسيرات في الدراسة، تقول ناريمان، “كنا نتبادل الملخصات، لأنه لا يوجد إلا نسخة أو نسختين عن كل كتاب فقط، وكنت أدرّس الأسيرة إسراء الجعابيص بالنهار، نظرا لوضعها الصحي الصعب وأدرس أنا بالليل”.

وتتابع، “الشهادة مهمة لأصبح قادرة على الوقوف أمام أهلي وأمام المجتمع بأنني خرجت بشيء من السجن.

مدير دائرة التعليم في هيئة شؤون الأسرى والمحررين محمد فقيات، يتطرق إلى موضوع التعليم في سجون الاحتلال بالقول: “الاحتلال يحاول بكل الطرق منع التعليم داخل السجون، ولكن الإرادة والإصرار عند قيادتنا ومؤسساتنا الوطنية، ووزارة التربية والتعليم، والجامعات الفلسطينية، تسعى لتوفير ما يمكن، ليكمل الأسرى تعليمهم الثانوي والجامعي”.

ويضيف، “نفتح المجال أمام الأطفال المعتقلين الذين يريدون إكمال تعليمهم لمرحلة الثانوية العامة، بمساعدتهم بالتعاون مع الهيئة”.

ويقول: يحاول الاحتلال تعطيل زيارات المحامين للطلاب قدر الإمكان، وفي فترة تقديم امتحان الثانوية العامة السنوي يبدأ بعمل تنقلات سريعة للطلاب بين السجون، للتشويش عليهم، أما ما يخص التعليم الجامعي تحاول إدارة مصلحة السجون التشويش على الطلاب عن طريق منع زيارة المحامي لمسؤول اللجنة العلمية ومحاولة منع إدخال الكتب”.

يذكر فقيات، “يتم إدخال الكتب بصعوبة كبيرة عن طريق أهالي الأسرى، خلال زياراتهم المقررة لذويهم الملتحقين بالدراسة داخل السجون”، مشيرا إلى أن أقساط الأسرى داخل السجون ممولة بالكامل من الهيئة ووزارة المالية”.

من جهتها، تقول مسؤولة اللجنة العلمية داخل سجن “الدامون” سابقا، الأسيرة المحررة خالدة جرار، إن الأسيرات يواجهن عقبات عدة، بما يتعلق بإكمالهن تعليمهن داخل السجون، أبرزها: صعوبة أكاديمية، إذ يشترط أن يكون 3 أسيرات على الأقل يحملن درجة الماجستير ليكن في اللجنة العلمية التي تشرف على التعليم الجامعي، ولم تكن أي أسيرة غيرها تحمل شهادة الماجستير، لأن عدد الأسيرات اللواتي يتم اعتقالهن أقل بكثير من عدد الأسرى، ولاحقا اعتقل أسيرتان يحملن شهادة الماجستير، فتم تجاوز هذه العقبة الأكاديمية وتحققت الشروط، وتمثلت العقة الثانية بمحاولة مصلحة السجون عرقلة العملية التعليمية عن طريق منع ادخال أي كتاب تعليمي، ومداهمة غرف الأسرى بشكل دوري للاستيلاء على أي كتاب تعليمي حتى الدفاتر والأقلام في محاولة لعرقلة العملية التعليمية، وأحيانا عندما تحتج الأسيرات وتقوم بخطوات تصعيدية يغلق القسم ما يصعب جمع الأسيرات، لكن رغم كل المعوقات تحاول إيجاد طرق لاستكمال مسيرتهم التعليمية.

وتنوه جرار إلى أن سبع أسيرات التحقن في برنامج البكالوريوس في جامعة القدس المفتوحة وشارفن على اجتياز سنتين، مشيرة إلى أنه للمرة الأولى تستطيع الأسيرات الالتحاق بالتعليم الجامعي عام 2020.

وتوضح، أن الأسيرات تقدمن لامتحان الثانوية العامة لأول مرة منذ سنوات طويلة عام 2015، لأن الشروط الأكاديمية لم تكن متوفرة، نظرا لقلة عدد الأسيرات حاملات الشهادات العليا، إضافة إلى صعوبة تواصل الأسيرات مع وزارة التربية والتعليم حينها.

وتشيد جرار بتعاون الوزارة الذي تكلل بحصول 22 أسيرة تقريبا على شهادة الثانوية العامة على 6 دفعات منذ العام 2015، جزء تحرر وأكمل تعليمه الجامعي خارج السجن، وخمسة منهن من ذوات الأحكام العالية التحقن ببرنامج البكالوريوس.

ووفقاً لنادي الأسير الفلسطيني، بلغ عدد الأسرى الذين يواصلون تعليمهم بعدة تخصصات عبر جامعة القدس أبو ديس حتى نهاية الفصل الأول من العام الدراسي 2021 والملتحقين ببرنامج البكالوريوس 113 أسيراً، وعدد الأسرى الملتحقين ببرامج البكالوريوس عبر جامعة القدس المفتوحة 564 أسيرا.

وبالنسبة لبرنامج الماجستير عبر جامعة القدس، فقد بلغ عدد الملتحقين من الأسرى 49 أسيراً، وعدد الملتحقين عبر جامعة فلسطين بقطاع غزة 44 أسيرا، وفيما يتعلق بامتحان الثانوية العامة خلال عام 2021، فقد بلغ عدد الأسرى الذين انطبقت عليهم الشروط للتقدم للامتحان 486 أسيراً.

الاخبار العاجلة