من ولد ليزحف… لن يطير!

20 نوفمبر 2022آخر تحديث : الأحد 20 نوفمبر 2022 - 12:19 مساءً
Rania Lat
مقالات
من ولد ليزحف… لن يطير!

صدى الإعلام _  حسن حميد

أجل،

بات من المؤكد، تاريخياً، واجتماعياً، وثقافياً، أنّ عدوّنا الذي احتل الأرض، وحيّد التاريخ، واعتدى على القيم والمثل والعقائد، وقتل وبطش، وأدار ظهره لكلّ ما هو إنساني وحضاري يخصّنا، ومارس دوره، بكلّ الثعلبية، لتغييب دورنا في البناء والعطاء والمضايفة، غدا يعرفنا جيداً، مثلما غدونا، بعد كرّ السنين وتراكمها، نعرفه جيداً، هو يعرف نقاط القوة التي ارتكزنا إليها، ويعرف نقاط ضعفنا التي مرّ بها كي يقيّم كيانيته الغريبة العجيبة، ونحن نعرف نقاط القوة التي ارتكز إليها، ونعرف نقاط ضعفه التي تتزايد هشاشة، وعدداً، وتتسع خرقاً في كلّ يوم! وهذا الكلام ليس من عندياتي، وإنما هو الكلام الذي بدت ترسيماتُه واضحةً جليةً على مرايا عدونا، وهو يحاول تظهير صورتنا الفلسطينية خلال الشهور الماضية، وعبر تعددية الأمكنة الفلسطينية التي اتسعت عليه إحاطةً  فأتعبته حتى جهر بأن ما حدث في الشيخ جرّاح، هو ما أدّى إلى حدوث مثله داخل الحرم القدسي، وداخل نابلس وخارجها، وداخل جنين وخارجها، وداخل الأغوار، وفي الطرق المؤدية إليها أو الطرق المنطلقة منها، وأنّ هذه العمليات الفردية الجسورة التي وقعت داخل بعض مستوطناته وخارجها، ومثلها العمليات الجريئة جداً التي وقعت داخل الحواجز الإسرائيلية، وبالجوار منها، وداخل المعسكرات الإسرائيلية، ومحطات الوقود، وبالقرب منها، كلّ هذه العمليات، التي يسميها الإعلام الإسرائيلي بالأحداث! ما عادت أفعالاً فردية، وإن نفّذها  أفراد لهم أسماء، وأُسر وبيوت، وإنما هي أفعال فلسطينية تعبّر عما يجول في الذهن الفلسطيني (الذي حوصر منذ عام 1948، ومازال الحصار يضيق عليه ويضيق) بأن لا لغة يفهمها الإسرائيلي سوى لغة المواجهة، وأنّ الفلسطيني ما عاد يطيق القيام بدور الضحية، والدليل على هذا أنّ هذه العمليات الفلسطينية أخضعها عدونا الإسرائيلي للتحليل والدراسة، من أجل تأويل ما فيها من دروس وعبر، لقد كتبت مراكز الأبحاث عشرات الصفحات عن الفعل البطولي الفذ الذي قام به الشهيد عدي التميمي، كخلاصة؛ لقد درسوا حياة عدي التميمي (وهي قصيرة) ليشخّصوا الدوافع التي جعلته يقوم بما قام به على حاجز مخيم شعفاط، ثم ما قام به أمام مستوطنة معاليه أدوميم، وليشخّصوا الأسباب التي جعلته يشتري المسدس الذي اقتناه، والرصاصات التي أطلقها جميعاً حتى النفاد بآلاف الشواقل، ومن أين اشترى المسدس والرصاصات، ثم لماذا استعجل كي يقوم بالعملية، شأنه في ذلك شأن الشهيد فاروق سلامة الذي اشترى بدلة عرسه، وحدد موعد زفافه (يوم السبت)، لكنه استعجل واستشهد يوم الخميس، أيّ قبل يومين من زواجه!

ولم تجد مراكز البحث الإسرائيلية، وكلّها تستخدم مناهج السوسيولوجيا، ومعطيات السيكولوجيا، لسبر أعماق الشخصيات التي تقوم بهذه العمليات المذهلة، من أجل الحدّ من خطورتها من جهة، والنفاذ إليها، أو قل الوصول إليها، قبل وقوعها من جهة أخرى كي لا تصير أنموذجاً يحتذى.

والحقّ أنّ كلّ ما توصلت إليه هذه المراكز، وما نطقت به يقع في مربع الروغان والتزييف، من أجل دفع الجيش الإسرائيلي (وقد غدا نصفه اليوم في الضفة الفلسطينية) لاقتراف أبشع صور القتل والإبادة والتمييز العنصري، والبطش الدموي، ومن أجل دفع المستوطنين الإسرائيليين لاقتراف المزيد من الحماقات داخل القدس، ونابلس، وجنين، وباقي المناطق الفلسطينية.

نعم إنها نتائج مراوغة واستخلاصات مزيّفة من مراكز البحث الإسرائيلية، لأنّ هذه المراكز تقف عند الهوامش، ولا تمضي إلى المتون، فالمتون تقول بوضوح إن هذه الأرض فلسطينية، ولم تكن في لحظة من لحظات الزمن الماضي والراهن: إسرائيلية، ولن تكون! وإن الفلسطيني صاحب كرامة وكبرياء، وهو يواجه، بما يمتلك من قوى، ومنذ عام 1948، هذا العدو المدجج بالطائرات والدبابات والنووي، لأنّ الفلسطيني لا يستطيع العيش دون الكرامة والكبرياء! ومن المتون أيضاً أنّ هؤلاء الفذذة الذين ينفّذون عملياتهم المدهشة في هذه الآونة، هم الشباب الذين يثخنون جسد عدونا لكي يتهاوى ويخور، ومن المتون أيضاً أن لا طمأنينة لعدونا الإسرائيلي، ولو للحظات، ما دام يسجن، ويقتل، ويدمّر، ويخرّب، ولا يعترف بحق الفلسطينيين في الأرض، والحياة،  والمستقبل، والحضارة.

هذا الروغان الطالع علينا من مراكز الأبحاث الإسرائيلية، هو الروغان نفسه الذي نراه، ونعيه، ونعرفه في كلّ الأنفاس الحامضية الإسرائيلية المطلوقة في التقارير والمنشورات والتوصيات السّرية والعلنية معاً في الثقافة والاجتماع والاقتصاد والسياسة، وهو روغان  بلا قيمة بلا أهمية لسبب وحيد هو: من ولد ليزحف لن يطير!

الاخبار العاجلة