إلى المستشفى باثنتين لأخرج منه بواحدة!

2018-04-12T12:40:03+03:00
2018-04-12T12:49:58+03:00
أدب
12 أبريل 2018آخر تحديث : منذ 3 سنوات
إلى المستشفى باثنتين لأخرج منه بواحدة!

رام الله- صدى الإعلام

كتبت: أنوار مطرية

المشهد الأول : 

ما زلت أذكر تلك الليلة جيداً، كنت جالسة أحادث فتياتي، أصبحت صوت ضحكاتي تختفي رويداً رويداً، فجأة استولى التعب على وجهي، وبدأت أشعر بوخزات في صدري .

أخذتني ابنتي الى أحد مستشفيات غزة، رأيت نفسي بحالةٍ يرثى لها؛ فقد كنت متألمة بعض الشيء، وكالعادة !! “السكري مرتفع”.

اعتقدت أن كلمة “كالعادة” ستكون كما اعتدت، يعطيني الأطباء إبرة لتنظيم السكر، ومن ثم أعود من حيث جئت، لكن ..!!  ذاك اليوم لم يكن كالعادة!

ذهبت الى طبيب مختص، تحادثنا، أخبرته أن يدي تؤلمني كثيراً،  نظر إليها بطرف عينه ثم تمتم

  • “يا إم العبد إيدك ما فيها إشي، هاي بس أعصاب” .

عدت الى بيتي مكسورة الخطى، أرتكز على ابنتي إسلام، لعل ثقل وجعي يميل إليها فتشاركني به، إسلام هي ابنتي الوسطى، قطعة من القمر، بقلب أبيض.

لم أستطع أن أنتظر لليوم التالي، فالألم كان يفوق قدرتي على التحمل، لدرجة أني لا أشعر بيدي أبداً، أخذوني للمستشفى من جديد، حينها كان قد أصابني الخوف، ولازمني التوتر؛  لأكثر من ساعة وأنا أنتظر! أجلس وكأني أنتظر صعودي إلى مشنقة الإعدام،  إما أن يحالفني الحظ وينقطع الحبل أو يحالف الحظ الحبل وأخسر.

  •  إم العبد ؟
  • دكتور دخيلك موجوعة.

قام الطبيب بفحص يدي، كانت  زرقاء كلون السماء، هزّ رأسه، وإذ بملامح الدهشة تستولي على عينيه، شعرت بالرعب لردة فعله!

  • “ايدك صابتها الجلطة “

قالها وصمت قاتل ساد المكان…

عُقِد لساني، لم يعد بوسعي أن أجادل أحد،  لكن عينيّ إسلام تكلمت عني،  لم أكن أعلم أن الشعور بالإنكسار أمام ابنتي أصعب من الموت بحدّ ذاته.

انسحبت ابنتي إسلام فوراً،  وكأنها تهرب من كل شيء .

كان وضعي سيء،  السكري مرتفع، ويدي .. يدي أصيبت بجلطة، وأنا بحاجة الى عملية، ذلك أشبه بأن اختار ما بين الموت وأنا أحترق أو وأنا أغرق.

لا أنسى قساوة المشهد حينها، ولا أنسى حين أخبرته بأن يفعل أي شيء لأتخلص من هذا الألم،  كنت ضعيفةً، مكسورة، وبحالةٍ مأساوية.

تجهزت لأول عملية لـ يدي في المستشفى، دعوت الله كثيراً، وفي كل دعاء كانت تسيل دمعة حارة على خدي.

بين ممرات المشفى أسير.. لأدخل الى غرفة العمليات، أنظر لابنتي إسلام والحزن يعتليها، وأي أمٍ تستطيع أن ترى ابنتها منكسرةً أمامها؟!

أما ابني عبد، ذاك الشاب الذي لم أره واجما هكذا من قبل، فطبعه قاس تارة وحنون تارة أخرى.. هو يرى أن الرجل لا يبكي…

 اليوم ، أراه يذرف دموعاً ظلت حبيسة منذ الصغر.. 

  • الطبيب: أريد أن توقّع على هذه الورقة، بأننا لسنا مسؤولون عن أي شيء يحدث لأمك في غرفة العمليات، حتى .. حتى لو ماتت!

قالها الطبيب لعبد وكأنه يقول له: “وقع على موت إمك”!

عبر شلال الدمع المنحدر على وديان خديه، دعا ربه كثيراً، وفي كل دعاء يتمتم:

“ياااا رب…”

حتى هديل، ابنتي الصغرى، المشاكسة رغم أنها صبية، انهارت، وقعت أرضاً وكأنها كانت قد تلقّت صعقةً كهربائية أفقدتها توازنها.

لا أحد يتحدث، إسلام وعبد وهديل، لا يملكون سوى الدعاء والدمع الذي ما زال يتساقط ذليلاً على أطراف عينيهم.

  • ” أجانا الدكتور، حكالي يا عبد روح طخ نجحت عملية إمك”.

دخل عليّ أطفالي وهم يرسمون لي ابتسامة جعلتني أطمئن قليلاً، كنت أبحث في عيني إسلام عن إجابة لما يحدث، وإن كنت أنا بخير أم لا؟

عدت الى وعيي تماماً، تحركت يدي لبضع ثوانٍ، ثم ..

ثم توقفت، لا أشعر بها أبداً.

جاءني الطبيب فوراً،

  • ” دكتووور مش حاسة بإيدي”.

 نظر اليّ ثم قال:

  • “استني شوي ” ..
  • “و هاي الـ شوي ضلت للصبح”.

لم يأت أحد ليكشف عليّ، حتى أنهم لم يعطوني أي مسكن، أبكي على نفسي وأطفالي يبكون عليّ، أما الطبيب.. فقد اختفى!

المشهد الثاني :

أي طبيبٍ هذا الذي يسمح لامرأة أن تدخل للعمليات والسكري ما زال مرتفع عندها ؟ و أي إنسانية لطبيبٍ يجري لي هذه العملية ثم يختفي بحجة أنه أخذ إجازة .

ليوم كامل، لا أحد من الأطباء يزور غرفتي لتعقيم الجرح، يدي تنزف بغزارة ولا أحد يلبي نداء آهاتي ويأتي.

جاء طبيب آخر من خارج المستشفى،  كان قد اصطحبه عبد،  كشف على يدي، أخبرني بأنها بداية الغرغرينة.

الليلة سيقطعون كفة يدي، وغداً الباقي، حتى أصبح بيدٍ واحدة .. قالها هكذا، بلا مقدمات…

خرج من غرفتي ليتحدث مع طبيب مسؤول، وسأله عن أجهزة خاصة لمرضى بمثل حالتي، لكن كانت الإجابة “معطّلة”!

  • ” كيف عملتو العملية وهدول الأجهزة مش موجودة ؟ “

ظننت أن هذه المصيبة هي التي قد جعلتني أصاب بالغرغرينة،  مجرد نطق كلمة ” غرغرينة” يقتلني.

تقدمت لي ابنتي إسلام بطلب تحويلة لمستشفى في إسرائيل، وبسبب إهمال تلك المؤسسة تأخرت الموافقة والسبب : “أضاعوا أوراقي”!

بعد يومين وصلت الى أحد مستشفيات القدس المحتلة، كنت وحيدة بالكامل، لم يرافقني أحد، حتى ابنتي “قطعة من القمر” لم تأت.

لا أدري ماذا واجهت في طريقي، فقد كان الألم وحده يحتل تفكيري، وصوت إنذار سيارة الإسعاف قد طغى على المشهد.

جاءني الأطباء فور وصولي الى باب المستشفى، أخذوني لـإجراء ” تصوير سيتي “.

  • ” في فقاعات هوائية فاتت ع ايدك أثناء العملية وعملت بكتيريا يا إم العبد وهي السبب الرئيسي للغرغرينة “، تمتم لي أحد الأطباء.

كنت أستمع إليه جيداً لكن عقلي ما زال شارداً في كلمة ” غرغرينة”!

قال لي الطبيب بأنهم سيحاولون إيجاد وريد لفتحه من دون اللجوء إلى قطع يدي، سوف يجرون لي العملية ويروا ما سيحدث.

المشهد الثالث :

غرفة لا تسمع فيها همس أحد، لا مريض يشاركك الغرفة، هدوء تام..

فقط !! جدران محيطة بك يميناً ويساراً،  أنابيب وأجهزة التنفس، وصمت يعم غرفة الانعاش

صحوت على صوتٍ خشن يتمتم فوق رأسي ” العوض ع الله يا إم العبد ” .

لم أكن مدركة حجم الخسارة التي لحقت بي، الا أن الكلمات هبطت على مسمعي كالرصاص.

خفت كثيراً من أن أنظر الى يدي فلا أجدها، بعدما كان احتمال قطعها ضئيل، خفت على أبنائي قبل كل شيء، كيف لي أن أعود لهم بيدٍ واحدة، وكيف سأمضي العمر بأكمله عاجزة.

نظرت الى يدي بطرف عيني، وانسكبت دموعي بحرقة، وبدأت أردد ” اللهم أجرني في مصيبتي واخلفني خيراً منها”.

خرج الأطباء وبقيت بين الجدران وحدي، لم أكن أملك الوعي الكافي لاستيعاب شيء كهذا.

 خطأ طبي.. لا أحد يدفع ثمنه غيري.

المشهد الرابع :

أصبح الضجيج يعمّ أرجاء غرفتي الجديدة، أصوات الأطباء تعلو تارةً وتختفي تارةً أخرى، يخرج ممرض من غرفتي لتدخل عندي الأخرى، ومع هذا كنت وحيدة.

لم أستطع النوم، لا الألم يزول ليجعلني أرتاح، ولا أنا بقادرة على إراحة جفن عيني من البكاء، صرخات الوجع حينها كادت تمزق أضلعي لتخرج.

لسبعة أيام، يدخل عليّ الأطباء ليبدأ كل واحد منهم بالضغط على يدي المبتورة كي تخرج الدماء منها، لم أكن أملك سوى قلباً ضعيفاً يناجي الله ليعينني، ودموعاً ساخنة تسيل على عباءتي السوداء لتحرق كل شيء بي قبل أن تحرقني.

ظننت أني قد انتهيت من ظلمة غرفة العمليات، ومن إبر المخدر التي كانت تغرز في جميع أنحاء جسدي، ومن صوت جهاز دقات القلب، ومن عدّة الطبيب التي ما زالت تخيفني، لكن ظنوني فشلت، لأعود إليها من جديد ولأجري عملية أخرى، ووجع آخر.

المشهد الخامس :

جاء الممرضان ليأخذاني، لملمت قوتي وبدأت أتجهز، خطواتي كانت ثقيلة، استلقيت على سريري وأنا أبحث عن ذرة أملٍ تأتيني كي لا أجري عمليتي الثانية.

ولكن … للمرة الثانية ظنوني تحطمت،  كل ما أذكره أني صحوت من تخديري بعد بضع ساعات من العملية، نظرت إلى يدي فوراً لأرى إن  بقي آخر جزء منها أم أنهم اضطروا أيضاً الى قطعه، كنت أتألم كثيراً، تمنيت لو أني أستطيع انتشالها فألقيها بعيداً، لعل الوجع يحنّ عليّ قليلاً ليجعلني أغفو حتى ولو لبضع دقائق.

لأسبوعين كاملين، ملقاة على سريري أبكي كأمٍ أضاعت طفلتها الصغيرة في أزمة العيد، لا أملك إلاّ وجعاً ارتسم على جسدي كخريطة طريق ملونة.

لم تكن إبر المخدر أو المسكنات تريحني، لم أكن أستطيع أن أنسى ألمي، وحيدةً بين هذه الجدران، أبنائي بغزة وأنا هنا .. وحدي هنا.

المشهد الأخير :

 بدأت أجمع ألمي في المستشفى لأعود من جديد الى غزة، لأكثر من شهر لم أر أطفالي، حتى ملامحهم كدت أنساها من قسوة الألم.

تجهزت لأخرج من المستشفى، جئت إليه بيدي الاثنتين لأخرج منه بيدٍ واحدة، والألم رفيق دربي الدائم، ومناجاتي لله مفتاحي الوحيد للصبر.

عدت بسيارة الاسعاف، لأعبر حاجز بيت حانون مرة أخرى، محملةً بأوجاع الدنيا وما فيها، كان الطبيب قد أخبرني بأن أجدد تصريحي الطبي لأعود للمستشفى في القدس المحتلة لغرض المراجعة، وبعد أسبوع من وصولي ومن المعاناة والوجع المستمر والآهات التي لم تكن تنتهي، ذهب ابني عبد ليقدم لي تصريح، لكنهم رفضوني، والسبب أن أطباء المستشفى بغزة قد أخبروني إما أن يسحب ابني عبد الشكوى عن المستشفى، أو أني لن أعود لإكمال علاجي في اسرائيل، سحبت الشكوى كي أتمكن من العلاج، ولكن !!

” تنازلنا عن القضية بس هنن ضحكوا علينا وما قبلو يطلعوني” .

رابط مختصر