الملاعب في زمن الحرب.. وجه آخر لازدواجية المعايير

7 مارس 2022آخر تحديث : الإثنين 7 مارس 2022 - 11:38 صباحًا
Maqel
تقارير
الملاعب في زمن الحرب.. وجه آخر لازدواجية المعايير

محمد العمري

طالما كان شعار “الرياضة ليس لها علاقة بالسياسة”، مطبقا في الملاعب العالمية، وعلى مدار التاريخ كان يتعرض كل لاعب أو منتخب يستخدم مباراة أو حدثا رياضيا للتعبير عن رأي سياسي للعقوبة، إلا أن ذلك اختفى تماما مع اندلاع الأزمة الأوكرانية.

منذ اليوم الأول للأزمة الأوكرانية الروسية في الرابع والعشرين من شباط المنصرم، فرض المجتمع الدولي عقوباتٍ بالجملة على روسيا، طالت الرياضة، وسلبتها شغفها المعهود في شتى الملاعب والمنافسات.

الاتحادان الدولي والأوروبي لكرة القدم، قررا تعليق مشاركة جميع الأندية والمنتخبات الروسية في البطولات القارية والدولية حتى إشعار آخر، وقرر الفيفا استبعاد منتخب روسيا من التصفيات الأوروبية المؤهلة لكأس العالم 2022 في قطر، بينما أعلن الاتحاد الدولي للريشة الطائرة إلغاء جميع بطولاته المقررة في روسيا وروسيا البيضاء، وغيرها من العقوبات على الرياضة والرياضيين الروس.

وعلى النقيض، لم يتمكن المجتمع الدولي من معاقبة إسرائيل رياضيا أو فرض عزلةٍ رياضيةٍ على أنديتها وقطاعاتها الرياضية رغم ما تمارسه من شتّى أنواع القتل والتدمير والترهيب والاعتقال ضد أبناء شعبنا الفلسطيني العُزل، بل سمحَ لها بالمشاركة في البطولات الرياضية الإقليمية والقارية والدولية.

الأزمة الأوكرانية سلطت الضوء مرة أخرى على ازدواجية المعايير لدى المجتمع الدولي في تعامله مع مختلف الأزمات في دول العالم.

الاتحاد الدولي لكرة القدم “فيفا”، واللجنة الأولمبية الدولية، أكدا مرارا أنهما لن يسمحا بإدخال السياسة والدين في الرياضة، لكن هذا لأمر تغير كليا بعد أزمة أوكرانيا وسقطت كل القواعد، وأصبح خلط السياسة بالرياضة أمرا ضروريا، بل مرحبا به.

عاقب “الفيفا” سابقا رياضيين عرب وعالميين لمجرد التعبير عن تضامنهم مع القضية والشعب الفلسطيني وإدانة انتهاكات إسرائيل وممارساتها بحق المدنيين والرياضيين الفلسطينيين.

قرارات عديدة صدرت ضد منتخبات ولاعبين ساندوا الشعب الفلسطيني وقضيته، وآخرهم لاعب الجودو الجزائري فتحي نورين الذي تم ايقافه بعد رفضه مواجهة منافس إسرائيلي خلال دورة الألعاب الأولمبية الأخيرة، وتم إيقافه 10 سنوات.

في العام 2009 عاقب الاتحاد الإسباني لكرة القدم اللاعب المالي فريدريك كانوتيه بعد رفعه قميصا يحمل اسم “فلسطين” تحت قميص ناديه الإسباني أشبيلية تضامنًا مع شعبنا ضد القصف الإسرائيلي.

نفس الأمر حدث مع النجم المصري المعتزل محمد أبو تريكة الذي رفع عام 2008 وضمن بطولة أمم إفريقيا شعارا تضامنيا مع غزة في إحدى مباريات بلاده، ليتم معاقبته فورا بادعاء أنه “لا خلط بين السياسة والرياضة”.

في العام 2016 فتح الاتحاد الأوروبي لكرة القدم تحقيقًا حول واقعة رفع جماهير نادي سيلتك الإسكتلندي أعلام فلسطين في المدرجات أثناء مباراة فريقهم وهابوعيل بئر السبع في دوري أبطال أوروبا.

حرصت اللجنة الأولمبية الدولية، بخلاف الاتحاد الدولي لكرة القدم والاتحادات الرياضية لمختلف الألعاب، على تأكيد عدم خلط السياسة بالرياضة، لكن الأزمة الأخيرة في أوكرانيا أظهرت تغيرات واضحة في هذا الأمر.

هيئات رياضية أوروبية ودولية عدة قررت حظر أو وضع قيود على مشاركة الرياضيين الروس في كثير من المنافسات الرياضية المقبلة، ولعل أبرز تلك القرارات منع منتخب روسيا من خوض منافسات ملحق التصفيات الأوروبية المؤهلة لكأس العالم 2022 في قطر.

على سبيل المثال، عطلت رابطة الدوري الإنجليزي الممتاز لكرة القدم بعض القوانين، وأصدرت تعليمات للحكام بعدم معاقبة اللاعبين الذين يخلعون قمصانهم لإظهار قمصان داخلية تحمل رسائل دعم لأوكرانيا، رغم أن القانون صارم في هذا الشأن.

المعلق العربي التونسي الشهير عصام الشوالي انتقد خلال تعليقه على مباراة مانشستر سيتي ومانشستر يونايتد في الدوري الإنجليزي الممتاز ازدواجية المعايير التي ينتهجها “الفيفا” في المنافسات الرياضية وتحريمه التعاطف والتضامن مع القضية الفلسطينية والسماح بذلك مع الأزمة الأوكرانية.

وقال الشوالي: ‏”غالطوك وقالوا إن السياسة لا تدخل في الرياضة ولكن الحقيقة أنها وجهان لعملة واحدة. الميزان الأعرج يسمح بما يشتهون ويمنع ما يكرهون، عاش سلتيك حامل الأعلام الفلسطينية وعاشت القضية. أما الديمقراطية الغربية طلعت بنت ناس، الله على أخلاقك يا ديمقراطية”.

ولم يختلف موقف زميله الجزائري حفيظ دراجي الذي قال في تصريح له: “يدعوننا لعدم الخلط بين السياسة والرياضة عندما نتحدث عن فلسطين، كل هذا لن يثنينا ويجب أن يحفزنا أكثر للاستمرار في قول الحق”.

ودعا دراجي من يطالبونه بعدم الخلط بين السياسة والرياضة إلى أن يطالبوا إسرائيل بعدم الخلط بين السياسة والرياضة وترك المنتخبات الرياضية ووقف الحصار للرياضة الفلسطينية.

وينص قانون الفيفا على ضرورة عدم الخلط بين السياسة والرياضة، خاصة المادة 6 من قوانين اللعبة والخاصة بالملابس الرياضية، التي تؤكد أنه “يجب ألا تحتوي المعدات الأساسية الإجبارية (ملابس اللاعبين من قميص وسراويل وجوارب وأحذية)، على أي شعارات أو بيانات أو صورا سياسية أو دينية أو شخصية، فريق اللاعب الذي تحتوي معداته الأساسية على ذلك سيتم معاقبته من قبل منظم المسابقة أو من قبل الفيفا”.

كما يحتوي قانون الانضباط الخاص بالفيفا على غرامات وعقوبات تصل لحد الإيقاف ضد أي لاعب يقوم بفعل سياسي مثل التحريض على العنف أو الكراهية لفئة أو بلد معينة أو إثارة الجمهور أو تنفيذ سلوك عدواني أو تمييزي.

المجتمع الدولي لم يستطع حتى إصدار قرار يدين أو يعاقب إسرائيل رياضيا، رغم ما قامت به قواتها من تدميرِ ممنهج للقطاع الرياضي الفلسطيني، وقتل عدد كبير من أبناء الحركة الرياضية، واعتقال عدد آخر من اللاعبين، واستهداف عدد من الملاعب، وإعاقة خروج عدد من اللاعبين لتمثيل فلسطين خارجيا ومنع الوفود الدولية والعربية من القدوم إلى فلسطين.

كما استشهد 6 رياضيين في العدوان الذي شنته قوات الاحتلال على قطاع غزة، وتم تدمير وتضرر أكثر من 5 منشآت رياضية ما بين أندية وصالات متعددة الأغراض، إضافة إلى أضرار ودمار كبير في عدد من منازل الرياضيين من لاعبين ومدربين وإداريين.

كما اغتالت قوات الاحتلال الإسرائيلي لاعب نادي مركز بلاطة، سعيد يوسف عودة (16 عاماً)، وكان الشهيد عودة لاعبا في فريق الشباب بنادي مركز بلاطة، وتأهل معه إلى دور الثمانية من بطولة طوكيو الرابعة للشباب.

كل هذه الانتهاكات حدثت دون أن تحرك ساكنا لدى المجتمع الدولي أو حتى للاتحاد الدولي لكرة القدم أو اللجنة الأولمبية الدولية التي لم تصدر حتى قرارا يدين إسرائيل أو يعاقبها.

الأزمة في أوكرانيا لم تكشف فقط ازدواجية المعايير والاقحام الفاضح للسياسة في الرياضة، بل كيف تحولت الرياضة الى سلاح لممارسة الضغط السياسي، من خلال التهديدات بالإقصاء والإبعاد من المشاركة في المنافسات الدولية، في وقت كان فيه الاتحاد الأوروبي لكرة القدم والفيفا يمنعان أي شكل من التعاطف مع الفلسطينيين، ويرفضان كل النداءات التي تدعو إلى معاقبة إسرائيل رياضيا، على الانتهاكات والجرائم التي ترتكبها بحق الشعب الفلسطيني بشكل عام، والرياضة الفلسطينية بشكل خاص.

الاخبار العاجلة